ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ

روى الفرابي والنسائي والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال :" لما رجع المشركون عن أحد قالوا : لا محمدا قتلتم ولا الكواعب أردفتم بئسما صنعتم ارجعوا، فسمع بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب المسلمين فانتدبوا الحديث. قال محمد بن عمرو : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد يوم السبت ١٥ باتت وجوه الأوس والخزرج على بابه خوفا من كرة العدو فلما طلع الفجر من يوم أحد ١٦ أذن بلال وخرج ينتظر خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما خرج أخبره رجل مزنيّ قول سفيان حين بلغوا الروحاء ارجعوا نستأصل من بقي، وصفوان بن أمية يأبى ذلك عليهم ويقول : يا قوم لا تفعلوا فإن القوم قد حربوا وأخاف أن يجتمع عليكم من تخلف من الخزرج فارجعوا والدولة لكم فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرشدهم صفوان وما كان برشيد والذي نفسي بيده لقد سوّمت لهم الحجارة ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر فذكر لهما فقالا : يا رسول الله اطلب العدو ولا يقحمون على الذرية، فأمر بلالا أن ينادي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم بطلب عدوكم لا يخرج معنا إلا من شهد القتال أمس، قال أسيد بن حضير وبه تسع جراحات يريد أن يداويها لما سمع النداء سمعا وطاعة لله ورسوله ولم يعرج على دواء جرحه، وخرج من بني سلمة أربعون جريحا بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحا وبخراش بن الصمة عشر جراحات وبكعب بن مالك بضعة عشر جرحا وبعطية بن عامر تسع جراحات، ووثب المسلمون إلى سلاحهم وما عرجوا على دواء جراحاتهم. قال ابن عقبة :. وأتى عبد الله بن أبي فقال : يا رسول الله أنا أركب معك، قال : لا، قال ابن إسحاق ومحمد بن عمرو : أتى جابر بن عبد الله فقال : يا رسول الله إن مناديك نادى أن لا يخرج معنا إلا من حضر القتال بالأمس وقد كنت حريصا على الحضور ولكن أبي خلفني على أخوات لي سبع، وفي لفظ تسع وقال : لا ينبغي لي ولك أن نترك هذه النسوة ولا رجل معهن ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله تعالى يرزقني الشهادة وكنت رجوتها فتخلفت عليهن فاستأثر علي بالشهادة فأذن لي يا رسول الله أسير معك فأدن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال جابر : فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال بالأمس غيري استأذنه رجال لم يحضروا القتال فأبى ذلك عليهم. قال ابن إسحاق ومتابعوه : إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو ليبلغهم أنه خرج في طلبهم فيظنوا بهم قوة وإن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلا حتى بلغوا حمراء الأسد موضع من المدينة على ثمانية أميال على يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة، وحمل سعد بن عبادة ثلاثين بعيرا وساق جزرا لتنحر، فنحروا في يوم الاثنين أو يوم الثلاثاء وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم في النهار بجمع الحطب فإذا أمسوا أمر أن توقد النيران فتوقد كل رجل نارا فأوقدوا خمسمائة نار ولقي معبد الخزاعي وهو يومئذ مشرك، وجزم أبو عمرو وابن الجوزي بإسلامه. وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها، فقال : يا محمد والله لقد عز علينا ما أصابك من أصحابك ولوددنا أن الله كان قد عفاك ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقي أبا سفيان بالروحاء وقد أجمعوا للرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : لقد أصبنا جلة أصحابهم وقادتهم لنكرنّ على بقيتهم فلنفرغن عنهم، فلما رأى أبو سفيان معبدا قال : وما وراءك ؟ قال : محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أرى مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على صنيعهم وفيهم من الخنق عليكم شيء لم أر مثله قط، قال ويلك ما تقول قال والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل قال فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال : فإني والله أنهاك عن ذلك، فثنى ذلك مع كلام صفوان أبا سفيان ومن معه وقت أكبادهم فانصرفوا سراعا خائفين من الطلب. ومر بأبي سفيان ركب من عبد القيس فقال : أين تريدون ؟ قالوا : نريد المدينة للميرة : فقال : فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة وأحمل لكم إبلكم هذه زبيبا بعكاظ غدا إذا وافيتمونا ؟ قالوا : نعم، فإذا جئتموه فأخبروا أنا قد أجمعنا إليه وإلى أصحابه لنستأصلهم بقيتهم، وانصرف أبو سفيان إلى مكة، ومر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قاله أبو سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حسبنا الله ونعم الوكيل فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم هناك الاثنين ١٧ الثلاثاء ١٨ والأربعاء ١٩ وأنزل الله تعالى الذين استجابوا لله والرسول دعاءه بالخروج للقتال من بعد نما أصابهم القرح الجراح يوم أحد، الموصول منصوب على المدح أو مبتدأ خبره الجملة الواقعة بعده للذين أحسنوا منهم واتقوا من للبيان والمقصود من ذكر الوصفين المدح والتعليل دون التقييد لأن المستجيبين كلهم كانوا محسنين متقين وأجر عظيم وجاز أن يكون الموصول صفة للمؤمنين وتم الكلام على قوله : من بعد ما أصابهم القرح وما بعده ابتداء، وقال مجاهد وعكرمة خلافا لأكثر المفسرين : أنه نزلت هذه الآية في غزوة بدر الصغرى، وذلك أن أبا سفيان يوم أحد حين أراد أن ينصرف قال : يا محمد موعد ما بيننا وبينك بموسم بدر الصغرى القابل إن شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بيننا وبينك إن شاء الله، فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان من مكة في قريش وهم ألفان ومعهم خمسون فرسا حتى نزل مجنة في ناحية مر الظهران، ثم ألقى الله الرعب في قلبه فبدا له الرجوع فلقى نعيم بن مسعود الأشجع وقد قدم معتمرا، فقال له أبو سفيان : يا نعيم إني واعدت محمد وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى وإن هذه عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي أن لا أخرج إليها، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرءة ولأن الخلف من قبلهم أحب إلي من أن يكون من قبلي فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أني في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا ولك عندي عشرة من الإبل أضعها على يدي سهيل بن عمر ويضمنها فضمنها سهيل، وأتى نعيم المدينة فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال : أين تريدون ؟ فقالوا : واعدنا أبا سفيان بموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها، فقال : بئس الرأي رأيتم أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلا شريد فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم والله لا يفلت منكم أحد، فكره بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج واستبشر المنافقون واليهود وقالوا : محمد لا يفلت من هذا الجمع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خشي أن لا يخرج معه أحد، وجاء أبو بكر وعمر وقد سمعا ما سمعا وقالا : يا رسول لله إن الله مظهر دينه ومعز نبيه وقد واعدنا القوم موعدا لا نحب أن نتخلف فسر لموعدهم فوالله إن ذلك لخير فسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" والذي بيده لأخرجن ولو وحدي " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأصحابه حسبنا الله ونعم الوكيل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه وأتوا بدر الصغرى فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش فيقولون قد جمعوا لكم يريدون أن يرعبوا المسلمين فيقول المؤمنين حسبنا الله نعم الوكيل حتى بلغوا بدرا وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها يقوم لهلال ذي القعدة إلى ثمان ليال خلون منه فإذا مضت ثمان ليال تفرق الناس إلى بلادهم، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أبا سفيان وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة فلم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحد من المشركين، وواقفوا السوق وكانت معهم تجارات ونفقات فباعوا وأصابوا للدرهم درهمين وانقلبوا إلى المدينة سالمين غانمين فحينئذ قوله تعالى : الذين استجابوا لله الخ، والصحيح هو القول الأول واقتضاه صنيع البخاري ورجحه ابن جرير، قلت : ويؤيد القول الأول سياق الآية حيث قال الله تعالى : الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح مدحهم بأنهم خرجوا للجهاد واستجابوا لله وللرسول مع كونهم مجروحين متألمين بالجراحات وليس ذلك إ لا في غزوة حمراء الأسد، وأما غزوة بدر الصغرى فكانت بعد سنة وحينئذ كانوا أصحاب سالمين وبعدية إصابة القرح إن لم يحمل على الفور، فلا وجه لتخصيص هذه الآية بغزوة بدر الصغرى بل يصدق على غزوة الخندق وغيرها والله أعلم.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير