وهم الذين قال الله تعالى فيهم :
الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح .
أصل استجابوا : طلبوا الإجابة، والمعنى هنا انهم عالجوا انفسهم وطلبوا إجابة داعي الله إلى النصر، فأجابوا، فالاستجابة لن السين والتاء للطلب تدل على انهم راضوا نفسهم على إجابة الله تعالى، ونالوا ذلك الشرف العظيم ؛ إذ أجابوا داعي الله ورسوله من بعد ما أصابهم ذلك الجرح ولم ينهنه من قوتهم، بل استرسلوا في قوة وصبر وعزيمة، واستثارهم الجرح ولم يضعفهم، وأنهم أجابوا الداعي فور الواقعة، فإنه يروى في ذلك انه لما رجع المشركون قالوا( لا محمدا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم(١)، بئسما صنعتم، ارجعوا ). فسمع رسول الله بذلك فندب المسلمين، فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد، ولكن خذل الله المشركين، وقوى المؤمنين، فرجع المشركون من حيث جاءوا، ويروى ان النبي صلى الله عليه وسلم عندما ندب المؤمنين أذن مؤذن رسول الله بطلب العدو، وأذن مؤذنه" ألا يخرجن معنا إلا من حضر أحدا(٢)، فخرجوا فهؤلاء هم الذين استجابوا لله والرسول، لأنه لم تأخذ الهزيمة من نفوسهم، وإن أصيبوا بكلوم في أجسامهم، وقد قال سبحانه وتعالى في جزائهم.
للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم اختص سبحانه وتعالى من أولئك الذين جاهدوا ولم يستشهدوا بعد بان لهم أجرا عظيما، وهنا يلاحظ ثلاثة أمور :
( أولها ) ان الله لم يذكر الأجر لهم جميعا، لنهم كانوا احياء، والحي قد يغير ويبدل، فكان لا بد من التقييد بالإحسان والتقوى، أي يستمر على ما هو عليه.
( وثانيها ) ان الإحسان هنا غير التقوى ؛ إذ الإحسان هو إجادة الخطة، وإتباع المنهج المستقيم في القتال، وذلك لا بد منه في الانتصار، والطاعة المطلقة للقائد من إحكام الخطة.
( ثالثها ) ان التقوى- وهي وقاية النفس من الغرض والهوى والاتجاه إلى الله بإخلاص وقلي سليم خال من الشوائب- أساس الأجر العظيم، والله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم.
٢ السيوطي: الدر المنثور ج٦ ص١٠٢، وعزاه لابن جرير عن عكرمة..
زهرة التفاسير
أبو زهرة