قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ ؛ معناهُ : إنَّ مِن أهلِ الكتاب لَمَنْ يُصَدِّقُ باللهِ والقرآنِ والتَّوراةِ والإنْجيلِ والزَّبُور وسَائرِ كُتُب اللهِ، وَهُمْ : عَبْدُاللهِ بْنُ سَلاَمٍ وَأَصْحَابُهُ ؛ خَاشِعِينَ للَّهِ ؛ أي ذلِيْلَةٌ أنْفُسُهُمْ للهِ ؛ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَـاتِ اللَّهِ ؛ بُمَحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ ؛ ثَمَناً قَلِيلاً ؛ عَرَضاً يَسِيْراً كما فعلَهُ رؤساءُ اليهودِ ؛ أُوْلـائِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ . وقال قتادةُ :" نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ ؛ لَمَّا مَاتَ نَعَاهُ جَبْرِيْلُ عليه السلام إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أيْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيْهِ ؛ فَقَالَ ﷺ لأَصْحَابهِ :" اخْرُجُواْ فَصَلُّواْ عَلَى أخٍ لَكُمْ مَاتَ بَغَيْرِ أرْضِكُمْ ". قَالُواْ : وَمَنْ هُوَ ؟ قَالَ :" النَّجَاشِيُّ " فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْبَقِيْعِ، وَكُشِفَ لَهُ مِنَ الْمَدِيْنَةِ إلَى أرْضِ الْحَبَشَةِ ؛ فَأَبْصَرَ سَرِيْرَ النَّجَاشِيِّ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ ؛ وَقَالَ لأَصْحَابهِ :" اسْتَغْفِرُواْ لَهُ ". فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ : انْظُرُواْ إلَى هَذا يُصَلِّي عَلَى عِلْجٍ حَبَشِيٍّ نَصْرَانِيِّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ، وَلَيْسَ عَلَى دِيِنِهِ! " فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى : خَاشِعِينَ للَّهِ تُنْصَبُ على الحالِ. قَوْلُهُ تَعَالَى : لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَـاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أي لا يُحَرِّفُونَ كُتُبَهُمْ، ولا يكتمونَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لأجلِ الْمَآكِلِ والرئَاسَةِ، كما فعلت رؤساءُ اليهودِ. قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ؛ فقد تقدَّم تفسيرُه.
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني