فعلى هذا القول: (الحَصور)، بمعنى: (المحصور)، وهو الذي حُصر عنهن، على (١) قول الجمهور، وهو (فَعُول) بمعنى (فاعل)؛ لأنه حَبَس نفسه عنهن. وقد استقصينا هذا الحرف عند قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ [البقرة: ١٩٦].
٤٠ - قوله تعالى: قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ ذهب كثير من
(١) في (ج): (وعلى).
المفسرين إلى أن زكريَّا خاطب بهذا جبريل عليه السلام، فقال: (رَبِّ)؛ أي: يا سيِّدي (١). وذهب جماعة إلى أنه خاطب الله تعالى (٢).
وقوله: أَنَّى يَكُونُ إنْ قيل: كيف أنكر زكريَّا الولدَ مع تبشير الملائكة إيَّاه به؟ وما معنى هذه المراجعة؟ ولِمَ عجب (٣) من ذلك بعد إخبار الله تعالى بأنه يكون، إذ يقول عز وجل: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى؟ فالقول في ذلك: أَنَّى يَكُونُ لِي (٤) أن معنى قوله أَنَّى يَكُونُ على أيِّ حالٍ يكون ذلك؛ أيَرُدُّني إلى حال الشباب، وامرأتي؟ أم من حال الكِبَرِ؟. فقال ما قال من هذا مستثْبِتاً، ومستعْلِماً، لا متعجباً، ولا منكِراً (٥).
والغُلامُ: الشابُّ من الناس. وأصله من (الغُلْمَةِ). و (الاغتلام)؛ وهو: شِدَّة طَلبِ النِّكاح. ويقال: (غُلامٌ بّيِّن (٦) الغُلُومِيَّةِ، والغُلُومَةِ، والغُلامِيَّةِ) (٧).
(٢) وهو الظاهر من الآية.
(٣) في (ج): (اعجب).
(٤) (لي): ساقطة من (ج)، (د).
(٥) وممن قال بهذا: الحسن، وابن كيسان، وابن الأنباري. انظر: "زاد المسير" ١/ ٣٨٤. وقيل: بأي منزلة أستَوْجِبُ هذا؟ قاله على سبيل التواضع لله، والشكر له، والاستعظام لقدرته تعالى التي لا يعجزها شيء. انظر: "معاني القرآن" للنحاس ١/ ٣٩٥، "النكت والعيون" ١/ ٣٩١، "غرائب القرآن" ٣/ ١٨٤، و"أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة من غرائب آي التنزيل" للرازي ٦١.
(٦) في (د): (من).
(٧) انظر كتاب "خلق الإنسان" ١١، "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٦٩١ (غلم)، "الصحاح" ٥/ ١٧٩٧ (غلم).
قال الفرَّاء (١): والعرب تجعل مصدرَ كلِّ اسمٍ ليس له فعلٌ (٢) معروف على هذا المثال. فتقول: (هذا [عبدٌ] (٣) بَيِّن (٤) العبودية، والعبدِيَّةِ (٥)، والعبودَةِ).
وقوله تعالى: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ. (الكِبَرُ)، مصدرُ: (كَبِرَ الرجلُ، يَكْبَرُ): إذا أسَنَّ (٦).
قال أهل المعاني (٧): معنى وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ: وقد بَلَغتُ الكِبَرَ؛ وذلك أن كلَّ (٨) شيءٍ صادَفْته وبلغته، فقد صادفك وبلغك. وكان نسبةُ الفعلِ إلى الكبر، كنسبته (٩) إلى الرجل؛ يدل على هذا قولُ العرب: (تلقَّيْتُ الحائطَ)، و (تلقَّاني (١٠) الحائطُ).
(٢) (فعل): ساقط من: (ب).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).
(٤) في (أ)، (ب): (من)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٣٠١.
(٥) (والعبدية): ساقط من: (ج)، (د).
(٦) انظر: "تفسير الطبري" ٣/ ٢٥٧، "القاموس المحيط" ص ٤٦٨ (كبر). والقياس أنَّ (فَعِلَ) من الثلاثي المجرد، يأتي مضارعها على (يَفْعَلُ). انظر: "المزهر" ٢/ ٣٧. أما (كَبُرَ، يَكْبُرُ)، فهي إذا ما أردت عِظَمَ الشيءِ والأمرِ، فهي مثل: (عَظُمَ، يعظُمُ). انظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٠٩٠ - ٣٠٩١ (كبر).
(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٠٨، "مجاز القرآن" ١/ ٩٢، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٤٨ ب.
(٨) من قوله: (كل..) إلى (.. وبلغك): نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٠٨.
(٩) في (أ): (كنسبة)، والمثبت من بقية النسخ.
(١٠) في (ج): (فتلقاني).
فإن قيل: أيجوز (١) (بلغني البلدُ) في موضع (بلغْتُ البلدَ)؟ قيل: إنما جاز في الكِبَرِ؛ لأن الكبَر بمنزلة الطالب، فهو يأتيه بحدوثه (٢) فيه، والإنسان (٣) أيضاً يأتيه بمرور السنين عليه، ولا يجوز مثل ذلك في البلد، وليس الكبَر بمنزلة البلد، إنما هو بمنزلة: القول، والعطاء، والإفضال (٤)، والعقاب؛ فكما يجوز: (بلغني عطاؤك)، و (بلَغَتْ زيداً (٥) جائزتُكَ)، (وبلغ عبدَ اللهِ عقابُكَ)، جاز أن يكون (٦) البلوغُ منسوباً (٧) إلى الكِبَر (٨).
قال ابن عباس في رواية الضحاك (٩): كان زكريا يوم بُشِّر بالولد ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمانٍ وتسعين سنةً.
وقوله تعالى: وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ. العاقِر (١٠) من النساء: التي لا تلد. يقال: (عَقُرَت، تعْقُرُ، عُقْراً، وعَقارةً) (١١).
أنشد الفراء:
(٢) من قوله: (بحدوثه..) على: (.. أيضًا يأتيه): ساقط من (ج).
(٣) في (د): (والإنصاف).
(٤) في (د): (والاتصال).
(٥) في (ج): (زيد).
(٦) (أن يكون): ساقط من (ج).
(٧) في (أ)، (ب): (منصوبًا)، والمثبت من: (ج)، (د).
(٨) انظر: "تأويل مشكل القرآن" ١٩٣ - ١٩٨، فقد جعل هذا من المقلوب، وهو أن يقدم ما يوضحه التأخير، ويؤخر ما يوضحه التقديم.
(٩) الأثر في "تفسير الثعلبي" ٣/ ٤٨ ب، "تفسير البغوي" ٢/ ٣٥، "زاد المسير" ١/ ٣٨٥.
(١٠) (العاقر): ساقطة من (د).
(١١) في (ب): (وعقارا).
| إرْزامَ نابٍ عقُرت أعواماً | فَعَلِقَتْ بُنَيَّها (١) تَشْماما (٢) |
قال عامرُ بن الطُّفَيْل (٥):
(٢) في (ج): (تسماما). لم أقف على قائله، وقد أورد الثعلبي في "تفسيره" ٣/ ٤٨ ب، قائلًا: (وأنشد الفراء) وذكره، وأورده السمين الحلبي في "الدر المصون" وقال: (وأنشد الفراء) وذكره. وروايته في "الدر المصون".
| أرزامُ باب عقُرت أعواما | فعلقت بُنَيَّها تسماما |
انظر: "اللسان" ٣/ ١٦٣٧ (رزم)، ٨/ ٤٥٩١ (نيب).
أي: أنَّ هذه الناقة المسنَّة، والتي نُتِجَتْ بعد أن كان عاقرًا لمدة أعوام، فإنها تحن على وليدها، مصدرة صوتًا يدل على رحمتها، وشغفها وتعلقِّها به، ولا تنشب تَشَمُّ هذا الوليد تَشْماما المرة بعد الأخرى.
(٣) (وعقر): ساقط من (د).
(٤) انظر (عقر)، في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٥١٤، "اللسان" ٥/ ٣٠٣٤. والقياس في (فَعُلَ) الثلاثي المجرد، أن يكون مضارعه (يَفْعُل). أما (فَعَلَ) من المجرد الثلاثي الصحيح، الذي عينه أو لامه ليست من حروف الحلق، فمضارعه يأتي على (يَفْعِل) و (يَفْعُل). انظر: "المزهر" ٢/ ٣٧ - ٣٨.
(٥) هو: عامر بن الطفيل بن مالك العامري. أحد فرسان العرب المشهورين، وابن عم لَبِيد الشاعر، أدرك النبي - ﷺ -، ولم يُسْلِم، وهو الذي غدر بالصحابة عند بئر معونة سنة (٤هـ)، وحاول قتل النبي فعصمه الله منه، ودعا عليه النبي - ﷺ -، فأهلكه الله. انظر: "الشعر والشعراء" ص٢٠٧، "معجم الشعراء" ٣٧، "الأعلام" ٣/ ٢٥٢.
| لبئس الفتى إنْ كنتُ أعورَ عاقرًا | جبانًا فما عذري لدى كلِّ مَحْضَرِ (١) |
(٢) في "معاني القرآن" له ١/ ٤٠٨، نقله عنه بنصه.
(٣) في (ب): (عاقر).
(٤) أي مما جاءت النسبة فيه على صيغة (فاعل)، مثل: تامِر، ولا بِن، وحائِك، وكاسٍ؛ بمعنى: صاحب تمْرٍ، وصاحب لبنٍ، وصاحب حياكة، وصاحب كساء. فعاقر، بمعنى: ذات عُقْر.
(٥) في (ج): (اسما)، وفي (د): (اسم).
(٦) في (أ)، (ب): (طريقة)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن "معاني القرآن" للزجاج؛ لأن (طريقة) من: (طَرَقَ) وليست من. (طَرُقَ)، كما أن (طريقة) تأتي على (مفعولة) بمعنى (مطروقة).
(٧) في (أ): (عُقَر). وفي بقية النسخ، مهملة من الشكل. وما أثبَتُّه هو ما استصوبته. والعُقْر: العُقْم. يقول السمين الحلبي بعد أن نقل كلام الزجاج السابق: (وهذا نصٌّ من أن الفعل =
و (رجالٌ ونساءٌ عُقُرٌ) (١) وفي الحديث: (عُجُزٌ عُقُرٌ) (٢).
ويقال: (أعقَر اللهُ [رحِمَها]) (٣)، فهي (مُعْقَرَةٌ). و (رملٌ (٤) عاقِر): لا يُنبِت شيئاً (٥).
(١) عقر: ساقطة من (ج). و (عُقُر)، و (عُقَّر) و (عواقر)، جمع: عاقر. انظر العين: ١/ ١٥٠، "النهاية في "غريب الحديث" ٣/ ١٨٦، "اللسان" ٥/ ٣٠٣٣ (عقر).
(٢) العُجُز: جمع (عَجوز). ولم أهتد إلى مصدر الحديث بهذا اللفظ في كتب السنة. وقد أورده الخليل في: "كتاب العين" ١/ ١٥٠، وقال: وفي الحديث: "عُجْزٌ عُقُرٌ" بتسكين العَيْن في (عجز)، وورد في "النهاية في "غريب الحديث" ٣/ ١٨٦، بلفظ: "إيَّاكم والعُجُز والعُقُر"، ولم يخرِّجه. وقد وقفت على حديث آخر قريب من معنى هذا الحديث، وهو: عن عياض بن غنم الفهري، عن النبي - ﷺ -، قال: "يا عياض لا تَزَوَجَّن عجوزًا ولا عاقرا، فإني مكاثر بكم الأمم". أخرجه الحاكم في "المستدرك" ٣/ ٢٩٠ - ٢٩١. كتاب معرفة الصحابة، وصححه، وتعقبه الذهبي بأن في سنده معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف، وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" ١٧/ ٣٦٨ رقم (١٠٠٨). قال الهيثمي: (وفيه معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف) "مجمع الزوائد" ٤/ ٢٥٨، وأورده ابن حجر في "الإصابة" ٣/ ٥٠ وضعَّفه؛ لأن في سنده عمرو بن الوليد الأغضف، وزاد نسبة إخراجه لأبي نعيم، وأورده ابن حجر الهيثمي المكي في كتاب "الإفصاح" عن أحاديث النكاح): ١٦٠.
(٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وفي (ب): (امرأته)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن "اللسان" ٥/ ٣٠٣٤ (عقر). والعبارة في (ج): (أعقرها الله رحمها)، وفي (د): (أعقر رحمها).
(٤) في (ج): (ورجل).
(٥) انظر: "اللسان" (عقر) ٥/ ٣٠٣٤.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي