و مصدقاً : عطف على رسولاً ، و لأُحِلَّ : متعلق بمحذوف، أي : وجئتكم لأُحل، أو معطوف على معنى مصدقاً، كقولهم : جئتك معتذراً، أو لأطيب قلبك.
ومصدقاً لما بين يدي من التوراة أي : وجئتكم مصدقاً للتوراة، وشاهداً على صحتها، ولأُحلَّ لكم بعض الذي حُرم عليكم في شريعة موسى عليه السلام كالشحوم والثروب١ ولحم الإبل والعمل في السبت. وهذا يدل على أنه ناسخ للتوراة، ولا يخل بكونه مصدقاً له، كما لا يخل نسخ القرآن بعضه لبعض بصحته. فإن النسخ في الحقيقة : بيان لانتهاء العمل بذلك الحكم. ثم قال لهم : و قد جئتكم بآية واضحة من ربكم ، قد شاهدتموها بأعينكم، فما بقي إلا عنادكم، فاتقوا الله وأطيعون .
قال صلى الله عليه وسلم :" من انقطع إلى اللّهِ كَفَاه الله كلَّ مُؤْنة، ورَزقه من حيثُ لا يحتسِبُ، ومن انقطعَ إلى الدنيا وكَلَه الله تعالى إليها ".
وقال بعضهم : صِدْقُ المجاهدة : الانقطاع إليه من كل شيء سواه. فالانقطاع إلى الله في الصغر يخدم على الإنسان في حال الكبر، ومعاصي الصغر تجر الوبال إلى الكبر، فكما أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، كذلك من انقطع بكُلِّيته إلى الله أبرأ القلوبَ السقيمة بإذن الله، وأحيا موتى القلوب بذكر الله، وأخبر بالغيوب وما تدخره ضمائر القلوب، يدل على طاعة الله، ويدعو بحاله ومقاله إلى الله، يهدي الناس إلى الصراط المستقيم، ويوصل من اتبعه إلى حضرة النعيم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي