قال الخليل (١): الحرف (٢) المجهور: الذي أُشبع (٣) الاعتمادُ (٤) عليه في موضعه، ومَنَعَ (٥) النَّفَسَ أن يخرج معه، والمهموس: حرف أُضْعِفَ الاعتماد عليه في موضعه، وجرى معه النفس (٦).
٥٠ - قوله تعالى: وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ. [قال الفرَّاءُ (٧)، والزجَّاج (٨): نصب مُصَدِّقًا على الحال، المعنى: (وجئتكم مصدِّقاً لِما بين يَدَيَّ)] (٩). وجاز إضمارُ (جئتكم)؛ لأن أول الكلام يدلُّ عليه، وهو قوله: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ٤٩]. ومثله في الكلام: (جئتُه بما يُحِب، ومُكْرِماً لهُ) (١٠).
قال الفرَّاء (١١): ولا يجوز أن يكون مُصَدِّقًا عطفاً على وَجِيهًا؛
(٢) في (ج): (والحرف).
(٣) في (ب): (اتسع).
(٤) في (ب): (للإعتماد).
(٥) من قوله: (ومنع..) إلى (.. في موضعه): ساقط من: (ج).
(٦) وقد شرح ذلك سيبويه، وابن جني، وبيَّنَا أن المهموس يعرف بترديد الحرف مع جَرْي النفس، ويصعب ذلك في المجهور، فيمكن تكرير المهموس مع جري الصوت، نحو: (سَسَسَسَ، كَكَكَكَ، هَهَهَهَ)، ولو تكلفت ذلك في المجهور لما أمكن. انظر: "كتاب سيبويه" ٤/ ٤٣٤، "سر صناعة الإعراب" ١/ ٦٠.
(٧) في "معاني القرآن" له ١/ ٢١٦. ونسب النحاسُ كذلك القول بهذا لأحمد بن يحيى (ثعلب). انظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٣٥.
(٨) في "معاني القرآن" له ١/ ٤١٥.
(٩) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).
(١٠) في (ب): (ومكر حاله).
(١١) في "معاني القرآن" له ١/ ٢١٦، نقله عنه بتصرف.
لأنه لو كان كذلك، لقال: (ومُصدِّقاً لِمَا بين يَدَيْهِ) (١)، ولا يحسن أيضاً أن يتابع قوله: وَرَسُولًا (٢)؛ لأنه لو كان مردودًا عليه؛ لقال: (ومُصَدِّقاً لما بين يديكِ)، لأنه خاطب بذلك مريمَ، أو قال: (بين يديهِ) (٣).
ومعنى لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ: أي: للكتاب (٤) الذي أُنزِلَ قَبْلِي (٥). وإذا كان يُصَدِّقُ التوراةَ، كان أحرى أن يُتَّبع.
وقوله تعالى: وَلِأحِلَّ لَكُمْ قال الفرَّاء (٦): الواوُ ههنا زائدةٌ مُقْحَمةٌ، كهي في قوله: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ [مِنَ الْمُوقِنِينَ] (٧)، المعنى: يُرِيهِ (٨) لِيَكونَ (٩).
(٢) (أي): يمتنع أن يتبع وَرَسُولًا في الإعراب.
(٣) قال أبو حيان في "البحر" ١/ ٤٦٨: (وقد ذكرنا أنه يجوز في قوله وَرَسُولًا، أن يكون منصوبًا بإضمار فعل؛ أي: (وأرسلت رسولا)، فعلى هذا التقدير، يكون وَمُصَدِّقًا معطوفًا على وَرَسُولًا).
(٤) في (ج): الكتاب.
(٥) في (ب): قيل. في (ج): قيل. (د) من قبلي.
(٦) في "معاني القرآن" له: ١/ ٢١٦. نقله عنه بالمعنى.
(٧) سورة الأنعام: ٧٥. وما بين المعقوفين زيادة من: (ب)، وكذا وردت في "معاني القرآن". وانظر مذهب الفراء في زيادة الواو، في "معاني القرآن" ١/ ١٠٧، ٢٣٨، ٢/ ٥٠، ٢١١، ٣٩٠، ٣/ ٢٤٩.
(٨) في (ج): نريد. ب، (د) نريه.
(٩) قيل في قوله تعالى: وَلِيَكُونَ ثلاثة أقوال: الأول: إن الواو زائدة. الثاني: إنها عِلَّةٌ لمحذوف؛ أي: ولِيكون.. أريناه ذلك. الثالث: إنها عطف على عِلَّةٍ محذوفة؛ أي: ليستدل وليكون، أو ليقيم الحجة على قومه. وقال صلاح الدين العلائي: (تقديره: لِنبصِّره أو لِنُرْشده. ونحو ذلك. ثم عطف عليه وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. الفصول المفيدة في الواو المزيدة، للعلائي: ١٤٧. وانظر: "التبيان" للعكبري ١/ ٣٤٢، "الفريد" للهمداني ٢/ ١٧٧، "الدر المصون" ٥/ ٧.
وأهل التحقيق من النحويين قالوا: الواو لا تُقْحَمُ إلا معَ (حتى إذا)، ومع (لَمَّا) (١).
| فلَمَّا أجَزنا ساحةَ الحيِّ وانْتَحى | بنا بَطْنُ خَبْتٍ ذي قِفافٍ عَقَنْقَل |
قالوا: أو، والواو ههنا للعطف على معنى الكلام الأول (١)، لأن معناه: (وجئْتُكم لأُصَدِّقَ ما بين يديَّ من التوراة، ولأُحِلَّ لكم). ومثله من الكلام: (جئتُ مُعتذِرًا إليه، لأجتَلِبَ رِضاه)؛ أي: لأعتذر، ولأجتلب (٢).
وقال ابن الأنباري (٣): الَّلام في قوله: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ (٤) صِلَةٌ لفعلِ مضمرٍ؛ كأنه قال: (ولأحلَّ لكم جئتكم)، وكذلك قوله: وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، تقديره: ولِيكون من الموقنين نُرِيهِ (٥) ذلكَ (٦).
(١) أي: للعطف على معنى مُصَدِّقًا.
(٢) في (ج): لاجتلب (بدون واو).
(٣) لم أقف على مصدر قوله.
(٤) (لكم): ساقطة من (د).
(٥) في (ج): (بربه).
(٦) وفي التوجيه الإعرابي لقوله وَلِأُحِلَّ أقوال أخرى، هي: إنها مردودة على قوله: بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ من آية ٤٩؛ أي: جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم. أو معطوفة على عِلَّةٍ مقدَّرةٍ؛ أي: جئتكم بآية لأوسِّعَ عليكم ولأحل لكم، أو نحوها. أو إنها متعلقة بقوله: وَأَطِيعُونِ في آخر آية ٥٠؛ أي. اتَّبِعوني لأحلَّ لكم. وقد استبعد هذا الوجهَ السمينُ الحلبيُّ وجعله ممتنعًا. أو إنها معمولة لفعل مضمر بعد الواو؛ أي: وجئتكم لأحل.. انظر هذه الوجوه، في "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٣٥، "الكشاف" ١/ ٤٣١، "التبيان" للعكبري: ١/ ١٩١، "البحر المحيط" ٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩، "الدر المصون" ٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣، "روح المعاني" ٣/ ١٧١.
- قوله تعالى: -ayah text-primary">بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ. قال المفسرون (١): أُحِلَّ لهم على لسان المسيح: لحومُ الإبل، والثُّرُوبُ (٢)، وأشياءُ مِنَ الطَّيْر، والحيتان، مما كان مُحرَّما في شريعة موسى عليه السلام. قال الله تعالى: -ayah text-primary">فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ (٣). وإنَّما قال (٤): -ayah text-primary">بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ؛ لأن عيسى لم يأتهم بتحليل الفواحش من: القتل، والسَّرِقِ، والزِّنا.
وذهب أبو عبيدة (٥) إلى أنَّ (بعضَ) ههنا بمَعنى: الكُلِّ، واحتجَّ ببيت لَبِيد:
أو يعتَلِقْ (٦) بعضَ النفُوسِ حِمامُها (٧)
(٢) في (ب): الشروب. و (الثُّروب): شحم رقيق يُغَشِّي الكرشَ والأمعاء، والمفرد: ثَرْب. انظر: "القاموس المحيط" ص ٦٢ (ثرب).
(٣) سورة النساء: ١٦٠. وبقيتها: وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا.
(٤) في (ج): (قيل).
(٥) في "مجاز القرآن" ١/ ٩٤.
(٦) في (د): (وتعليق).
(٧) عجز بيت، وأوله:
تَرَّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لم أرضها
وهو من معلقته، وقد ورد في "ديوانه" ٣١٣. كما ورد في "مجاز القرآن" ١/ ٩٤، "معاني القرآن" للزجاج: ١/ ٤١٥، "الزاهر" ٢/ ٢٣٧، ولم ينسبه، "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري: ٥٧٣، "معاني القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٣، "تهذيب اللغة" ١/ ٣٦٠، "الخصائص" ١/ ٧٤، "المحتسب" ١/ ١١١، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٥٢ ب، "شرح المعلقات السبع" للزوزني: ص ١٠٩، "شرح القصائد العشر" للتبريزي: ١٦٠، "تفسير البغوي" ٢/ ٤١، "اللسان" ١/ ٣١٢ (بعض). =
وأنكر عليه الآخرون أشدَّ (١) الإنكارِ (٢).
وسنستقصي الكلام في (بعض) عند قوله: وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ [غافر: ٢٨]، وأنه هل يجوز أن يكون بمعنى الكلِّ، أم لا؟. إنْ شاء الله.
ومعنى البيت: إني أترك الأماكن التي أجتويها، إذا رأيت فيها ما أكره إلا أن يربط الموتُ نفسي فلا يمكنها البراح. وتحرير المعنى: إني لا أترك الأماكن التي أجتويها إلا أن أموت. انظر: "شرح المعلقات السبع" ٢٤٢، "شرح القصائد العشر" ١٦٠. والشاهد فيه عند أبي عبيدة: أنَّ (بعض) هنا تعني (كلَّ). وقد خالفه آخرون كما ذكر المؤلف، حيث إنَّه في هذا البيت لا داعي لإخراج لفظ (بعض) عن مدلوله مع إمكان صحةِ معناه؛ لأن لبيد يريد بـ (بعض) هنا نفسَهُ هُوَ، من بين نفوس الناس.
(١) في (ج): (ابتدا).
(٢) وممن أنكر عليه ذلك الزجاجُ، حيث قال: (وأنشد أبو عبيدة في ذلك بيتًا غلط في معناه) ثم قال: (وهذا كلام تستعمله الناس، يقول القائل: (بعضنا يعرفك)؛ يريد: أنا أعرفك، فهذا إنما هو تبعيض صحيح) "معاني القرآن" ١/ ٤١٥. أي: إن (بعض) هنا مستعملة في موضعها. لأن المتكلم بعض الناس. وقال ثعلب: (أجمع أهل النحو على أنَّ البعض شيء من أشياء، أو شيء من شيء) ثم ردَّ على من زعم أن المراد بـ (بعض) في بيت لبيد تعني: (كل) فقال عنه: (فادَّعى وأخطأ أنَّ (البعض) ههنا جمعٌ.. وانما أراد لبيد بـ (بعض النفوس): نفسَه). "تهذيب اللغة" ١/ ٣٦٠. وكذا ردَّه النحاس، في "معاني القرآن" ١/ ٤٠٣، وابن سيده، كما في "اللسان" ١/ ٣١٢، والزوزني في "شرح المعلقات السبع" ص ١٠٩.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي