وإنما أنزلت التوراة والإنجليل بعد مهلك إبراهيم بزمان طويل، وليس في الكتابين اسمه بواحد من [دين] (١) اليهود والنصارى.
وقوله تعالى: أَفَلَا تَعْقِلُونَ. أي: فساد هذه الدعوى؛ إذ العقل يزجر عن الإقامة على دعوى بغير حُجَّة، فكيف بما ظهر فساده بالمناقضة؟.
٦٦ - وقوله تعالى: هَا أَنْتُمْ. اختلفوا فيه: فقرأ ابن كثير (٢) من طريق قُنْبُل (٣): هَا أَنْتُمْ (٤)، بِوَزْنِ (هَعَنْتُم) (٥)، أُبْدِلَ (٦) من همزة الاستفهام الهاءُ؛ أراد: أأنتم (٧). والهمزة قد تُبدل هاءً (٨)، كقولهم: (أرقت الماء) و (هرقته) (٩)، و (إبرِيَة) و (هِبرِيَة) (١٠).
(٢) هو: أبو معبد، عبد الله بن كثير الداري المكي. إمام المكِّيِّين في القراءة، وأحد القُرّاء السبعة المشهورين، توفي سنة (١٢٠هـ). انظر: "الفهرست" ٤٨، "معرفة القراء الكبار" ١/ ٨٦، "النشر" ١/ ١٢٠.
(٣) في (أ): (قتيل). والمُثبَت من بقية النسخ.
وقُنْبُل، هو: أبو عمر، محمد بن عبد الرحمن، المخزومي مولاهم، المكي. ولد سنة (١٩٥هـ)، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالحجاز، أحد رواة قراءة ابن كثير، توفي سنة (٢٩١ هـ). انظر: "معرفة القراء الكبار" ١/ ٢٣٠، "النشر" ١/ ١٢٠ - ١٢١، "البدور الزاهرة" ٨.
(٤) في (ج)، (د): (هانتم).
(٥) انظر: "الحجة" للفارسي: ٣/ ٤٦، "الكشف" لمكي: ١/ ٣٤٦.
(٦) من قوله: (أبدل..) إلى (.. الاستفام في أنتم تقرير): نقله عن "الحجة" للفارسي ١/ ٤٦٤٧، نقل بعض عباراته بالنص، وبعضها بالمعنى، وتصرف وزاد في بعضها.
(٧) في (د): (أنتم).
(٨) في (ج): (نبدلها).
(٩) في (ج): (وأهرقته).
(١٠) (أ)، (ب): (إيريه، وهيريه). وفي (ج): (ابره وهبره)، وفي (د): (اره وهيريه). وما أثبته هو ما استصوبته، نظرًا لقربه من رسم الكلمتين في نسخة ج. أما (إيريه =
وهذا كإبدالهم من الباء (١)، الواوَ، في قولهم: (والله)، ومن الواوِ التَّاءَ في (تالله) (٢)، فهذه حروف مفردة قد وقع الإبدال منها.
ولا (٣) يجوز أن يكون أراد هَا أَنْتُمْ، و (ها) للتنبيه، ثم حَذَف الألفَ، فصار: (هأنتم)، كما حذف الألف من (ها) في (هَلُمَّ)؛ لأن
(١) في (ب)، (د): (التاء).
(٢) الأصل فيها (بالله) ثم أبدلت الواو من الباء، ثم أبدلت التاء من الواو، ويدل على ذلك:
أولا: أن الباء توصل القسم إلى المقسم به؛ كقولنا: (أحلف بالله).
ثانيًا: أن الباء تدخل على المُضمَر كما تدخل على المُظهَر، كقولنا: (بالله لأقومَنَّ)، و (به لأقعدنَّ). والواو لا تدخل على المضمر البتة، فقتول: (والله لأضربنَّك). فإذا رجعنا إلى المضمر قلنا: (به لأضربنَّك). وهذا هو رأي الجمهور. ونقل ابن هشام عن قطرب وغيره أن التاء غير مبدلة من الواو، وإنما هي حرف مستقل. انظر: "سر صناعة الإعراب"١٢١، ١٤٣، ١٤٤، ٦٤٥، "الممتع في التصريف" ١/ ٣٨٤، "ارتشاف الضرب" ١/ ١٥٦، "نزهة الطرف" لابن هشام: ١٦١.
(٣) في (ج): (لا) بدون واو.
الحروف لا يحذف منها إلَّا إذا كان فيها تضعيف، وليس ذلك في (ها)، وإنَّما حُذِف من (هَلُمَّ)؛ لأن الَّلام التي هي فاءٌ، في تقدير السكون، لأن (تَلُمَّ)؛ (١) كان في الأصل: (تلْمُمْ) (٢)، و (لَمَّ) أصله (٣): (الْمُم)، فهي (٤) متحركة بحركة منقولة إليها، والحرف المتحرك بالحركة المنقولة، قد تكون في نيَّة السكون؛ كقولهم: (اَلَحْمَرْ) (٥)، فالَّلام (٦) في تقدير (٧) سكون؛ بدلالة تقدير الهمزة التي للوصل معها، فكذلك الَّلام في (هَلُمَّ)، وإذا كان في نية سكون، استقام حذف الألف من (ها) كما يُحذف لالتقاء الساكِنَيْنِ، وليس ذلك في (هأنتم) (٨)؛ فإذا كان كذلك لم يستقم الحذف فيه، كما جاء في (هَلُمَّ).
ومعنى الاستفهام في (أنتم) (٩): تقرير (١٠).
وقرأ نافع وأبو عمرو (ها انتم) (١١) استفهامًا من غير همزٍ ولا مَدٍّ (١٢).
(٢) في (د): (لمم).
(٣) في (ج): (بصله).
(٤) يعني: اللام. الذي هو فاءُ الكلمة (لمَّ).
(٥) (الحمر): ساقطة من (د). وضبطها في "الحجة" بضم الراء.
(٦) في (د): (اللام) بدون واو.
(٧) (تقدير): ساقطة من (د).
(٨) في (ب): (ها أنتم).
(٩) هكذا وردت في جميع السنخ. وفي "الحجة": (أأنتم)، وهي الأصوب.
(١٠) (أ)، (ب)، (ج): (تقدير). وفي (د): (تقديره). والمثبت من "الحجة" وهو الصواب.
(١١) في (ج): (هانتم).
(١٢) الذي أوردته كتب القراءات من قراءة نافع وأبي عمرو: أنهما كانا يقرآنها ممدودة، من غير همز، على الاستفهام. وقول المؤلف: (بلا مدٍّ)؛ يعني: بلا مدٍّ كثير. فقد =
و (ها) (١) في هذه القراءة للتنبيه، دخلت على (أنتم)، وخُفِّفت (٢) الهمزةُ في (أنتم)؛ لوقوعها بعد أَلِفٍ، كما تقول في (هَبَاءَةٍ): (هَبَايَة) (٣) مليَّنة الهمزة، وفي (المسائل) (٤): (المسايل). ويجوز أيضًا على (٥) هذه القراءة: أن يكون (٦) الهاءُ بدلًا من همزة الاستفهام، كما ذكرنا في قراءة ابن كثير، ودخلت الأَلِفُ التي تدخل للفصل بين الهمزتين في مثل قولك: أَأَنْتُمْ (٧)، و قُلْ آلذَّكَرَيْنِ (٨) [الأنعام ١٤٣] في قراءة أبي
وقال ابن مجاهد في "السبعة" ٢٠٧: (وروى علي بن نصر عن أبي عمرو استفهامًا مُخفَّفًا بلا همز. وقال أحمد بن صالح عن ورش وقالون عن نافع: ممدودًا غير مهموز).
(١) من قوله (و (ها)..) إلى (وكذلك في كثير من المواضع البدل يكون في حكم المبدل منه): نقله عن "الحجة" للفارسي: ١/ ٤٧ - ٥٠ نقل بعض عباراته بالنص وبعضها بالمعنى، وتصرف في بعضها بالاختصار والزيادة.
(٢) في (ج): (فخففت).
(٣) (هباية): مطموسة في (أ). وفي "الحجة": (هباةٌ). والمثبت من بقية النسخ. والهباءة: القطعة من الهباء. والهباء: التراب الذي تطيره الريح ويلزق على الأشياء، ويرى في ضوء الشمس. انظر: "اللسان" ٨/ ٤٦٠٩ (هبا)، "المعجم الوسيط" ٩٨٠ (هبأ).
(٤) (المسائل): ساقطة من: (ج).
(٥) في (ج): (من).
(٦) في (د): (تكون). وفي (ج): مهملة في النقط.
(٧) في (د): (اانتم). وقد وردت هذه المفردة في الآية ١٤٠ من سورة البقرة، و١٧ من الفرقان، و٥٩، ٦٤، ٦٩، ٧٢، من الواقعة، و٢٧ من النازعات.
(٨) في (ب): (آاالذكرين)، (د): (الذكرين). وهي مقطع من الآيتين ١٤٣، ١٤٤ من سورة الأنعام.
عمرو (١).
فإن قيل: إن الألف إنما تدخل للفصل بين المِثْلين، واجتماع المِثْلين قد زال ههنا بإبدال الهاء من الهمزة (٢)، فلا يُحتاج إلى الألف؛ ألا ترى أنَّ من قال: (هَراقَ)، قال: (أُهْرِيق)، ولم يحذف (٣) الهاء مع الهمزة، كما يحذف (٤) إذا قال: (أُرِيق)؛ لزوال اجتماع المثلين؟ قيل: إن البدل قد يكون في حكم المُبدَل عنه، ألا ترى أنَّك لو سميت رجلًا: بـ (هَرِق)، لم تصْرفْهُ كما لا تصرفُ مع الهمزة؛ لأن حكم الهاء حكم الهمزة، وكذلك في كثير من المواضع، البَدَلُ يكون في حكم المُبدَلِ عنه.
وقرأ أهل الكوفة (٥): (ها أنتم) (٦) بالمدِّ في (ها)، وتحقيق الهمزة في (أنتم)، ويكون (٧) (ها) في قولهم، حرف التنبيه، ولا يكون الهاءُ بدلًا من همزة الاستفهام، كما يجوز (٨) أن يكون بدلًا منها في قراءة أبي عمرو؛ ولأنهم (٩) لا يرون إدخال الألف بين الهمزتين.
(٢) في (د): (الهمز).
(٣) (ب)، (ج): (تحذف).
(٤) في (ب): (تحذف).
(٥) يعني بهم: عاصم، وحمزة، والكسائي، وهم من أهل الكوفة، وقرأ بها كذلك ابن عامر. انظر: "السبعة" ٢٠٧، "الحجة" للفارسي: ٣/ ٤٦.
(٦) في (د): (هانتم).
(٧) من قوله: (ويكون..) إلى (.. إدخال الألف بين الهمزتين): نقله مع التصرف عن "الحجة" للفارسي: ٣/ ٥١.
(٨) في (ج): (لا يجوز).
(٩) في (ج): (لأنهم) بدون واو.
فإن قيل: ما وجه التنبيه (١) بـ هَا أَنْتُمْ مع أنه لا يُنبَّهُ الإنسان على نفسه، وإنما يُنبَّه على ما أغفله؟. قيل: إنَّ التنبيه (٢) وإن كان على ما أغفله من حاله فإنه يُنبَّه بذكر ما يعلم على ما لا يعلم، فلذلك خرج التنبيه على النفس؛ والمعنى: على حال النفس.
وقوله تعالى: هَؤُلَاءِ. في موضع النداء؛ يعني: يا هؤلاء (٣). وقد ذكرنا زيادة بيان عند قوله هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ [آل عمران: ١١٩].
وقوله تعالى: حَاجَجْتُمْ. أي: جادلتم، وخاصمتم (٤). ويُسَمَّى الجدال بِحُجَّةٍ أو شبهة: حِجاجًا؛ لأن صاحب الشبهة (٥) يُوهِم أن معه حُجَّة.
وقوله تعالى: فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ. قال السدِّي (٦): هو ما وجدوه في كتبهم، وأنزل عليهم [بيانه] (٧) وقصته (٨).
(٢) في (ج): (قيل خرج التنبيه).
(٣) لا يجوز عند البصريين حذف حرف النداء من أسماء الإشارة، وأجازه الكوفيون. انظر: "كتاب سيبويه" ٢/ ٢٢٩، "المقتضب" ١/ ٢٥٨، "شرح المفصل" ٢/ ١٥، "التبيان" (١٩٥)، في الآية وجوه أخرى من الإعراب، استوعبها السمين الحلبي في "الدر المصون" ٣/ ٢٤٠ - ٢٤٢، وانظر نفس المرجع: ١/ ٤٧٤ - ٤٧٨.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" ١/ ٢٨٣، "تفسير الطبري" ٣/ ٣٠٦.
(٥) في (ب): (المشبهة).
(٦) قوله في "تفسير الطبري" ٦/ ٣٠٣ "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٧٢.
(٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وفي (ب): (خبره). والمثبت من: (ج)، (د).
(٨) ونص قول السدي، كما في "تفسير الطبري" (أما الذي لهم به علم: فما حُرِّم عليهم، وما أمروا به، وأما الذي ليس لهم به علم: فشأن إبراهيم). ولعل المؤلف ساقه هنا بمعناه؛ أي: ما وجدوه محرما، وما أمروا له في كتبهم... الخ.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي