ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب .
١٨٤- عند استقرار النفس في الترقي والارتفاع يعرف عليه الفتن (١) وذلك أن إبليس قد اتخذ أعوانه إلى هذا الإنسان خاصة، واستعملهم عليه، ووكلهم به، فيأتون المرء وهو في تلك الحال فيتمثلون له في صورة من سلف الأحياء المتين الباغين له النصح في دار الدنيا، كالأب والأم والأخ والأخت والصديق الحميم، فيقول له : أنت تموت يا فلان ونحن قد سبقناك في هذا الشأن، فمت يهوديا فهو الدين المقبول عند الله !. فإن انصرفوا عنه وأبى جاءه آخرون وقالوا له : مت نصرانيا فإنه دين المسيح، ونسخ به دين موسى ! ويذكرون له عقائد كل ملة. فعند ذلك يزيغ الله من يريد زيغه، وهو معنى قوله تعالى : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب أي لا تزغ قلوبنا عند الموت وقد هديتنا من قبل هذا إلى الإيمان.
فإذا أراد الله تعالى بعده هداية وتثبيتا جاءته الرحمة. وقيل : هو جبريل عليه السلام، فيطرد عنه الشيطان ويمسح السحوب عن وجهه فيبتسم الميت ضاحكا لا محالة، وكثير من يرى مبتسما في هذه الحالة فرحا مسرورا بالبشير الذي جاء رحمة من الله تعالى يقول : يا فلان ما تعرفني ؟ أنا جبريل، وهؤلاء أعداؤك من الشياطين، مت على الملة الحنفية والشريعة المحمدية ! فما شيء أحب إلى الإنسان وأفرح منه بذلك الملك، وهو قوله تعالى : وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ثم الموت على الفطرة.
[ الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة ضمن مجموعة رسائل الإمام الغزالي رقم٦ ص : ١٠٣-١٠٤ ].
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي