قَوْلُهُ تَعَالَى : إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُواْ ؛ استثناءٌ من قولِ الله عَزَّ وَجَلَّ أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله ؛ ومعناهُ : إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ الكفرِ والشِّرك بعدَ ارتدادِهم ؛ وَأَصْلَحُواْ أي لَم يكتفُوا بمجرَّد الإيْمانِ. ويقال : أصْلَحُوا أعمالَهم بالتوبةِ، وقيل : أصْلَحُوا ما أفسدُوه من الناسِ مِمَّن تَبعَهُمْ، فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ؛ أي يتجاوزُ عنهم، رَحِيْمٌ بهم بعدَ التوبةِ.
قال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ لِلْحَارثِ بْنِ سُوَيْدٍ :[الرُّخْصَةُ فِي التَّوْبَةِ] أرْسَلَ أخُوهُ الْجَلاَّسُ إلَيْهِ : أنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ التَّوْبَةَ ؛ فَارْجِعْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاعْتَذِرْ إلَيْهِ. فَرَجَعَ وَتَابَ، وَقَبلَ ذلِكَ النَّبيُّ ﷺ، فَبَلَغَ ذلِكَ أصْحَابَهُ الَّذِيْنَ بمَكَّةَ ؛ فَقَالُواْ : نَتَرَبَّصُ بمُحَمَّدٍ رَيْبَ الْمَنُونِ ؛ فَإنْ بَدَا لَنَا الرَّجْعَةُ إلَيْهِ ذَهَبْنَا كَمَا ذَهَبَ الْحَارثُ فَيَقْبَلُ تَوْبَتَنَا) فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ؛ إنَّ الذينَ كفروا باللهِ وبالرسولِ بعدَ تصديقِهم ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً بقولِهم : نُقِيْمُ بِمَكَّةَ مَا بَدَا لَنَا، لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ، وَأُوْلَـائِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ ؛ أي عنِ الإسلامِ.
وفي هذه الآيةِ دليلٌ على أنَّ هؤلاء لم يكونُوا مُحَقِّقِيْنَ ؛ لأنه قالَ : وَأُوْلَـائِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ . وكانت هذهِ الآيةُ خاصَّة في قومٍ عَلِمَ اللهُ أنَّهم لا يَتُوبُونَ إلاّ عند حُضور الموتِ، وماتَ طُعْمَةُ كَافِراً، ولو كانوا يُحَقِّقُونَ التوبةَ قبلَ الْمُعَايَنَةِ لَقُبلَتْ توبتُهم. ويجوزُ أن يكونَ بمعنى :(لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) أي التوبةُ التي يتوبُونَها عندَ الموتِ. قوله عَزَّ وجَلَّ : ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً . قال الحسنُ وقتادة وعطاءُ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الْيَهُودِ الَّذِيْنَ كَفَرُواْ بعِيْسَى عليه السلام وَالإِنْجِيْلِ بَعْدَ إيْمَانِهِمْ بأَنْبيَائِهِم وَكُتُبهِمْ ؛ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً بمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْقُرْآنِ).
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني