ثم إن الحارث ندم، وأرسل إلى قومه أن اسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم، هل لي من توبة ؟ فنزل قوله تعالى :
إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذالِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ
يقول الحقّ جلّ جلاله : إلا مَن تاب من بعد الردة، فأسلم وأصلح ما أفسد، فإن الله غفور له فيما فعل، رحيم به حيث تاب.
ولما نزلت الآية حملها إليه رجلٌ من قومه وقرأها عليه، فقال الحارث : إنك والله فيما علمت لصدوق، وإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لأصدق منك، وإن الله - تعالى - لأصدق الثلاثة، فرجع الحارث إلى المدينة، فأسلم وحَسُن إسلامُه.
الإشارة : كل مَن ابتغى الخصوصية من غير أهلها، أو ادعاها ولم يأخذْها من معدنها، فلن تُقبل منه، وهو عند القوم من الخاسرين في طريق الخصوص، فكل من لا شيخ له في هذا الشأن فهو لقيط، لا أب له، دَعِيّ، لا نسب له.
والمراد بأهلها : العارفون بالله، أهلُ الفناء والبقاء، أهل الجذب والسلوك، أهل السكر والصحو، الذين شربوا الخمر فسكروا ثم صحوا وتكملوا، فمعدنُ الخصوصية عند هؤلاء، فكل من لم يصحبهم ولم يشرب من خمرتهم، لا يُقتدى به، ولو بلغ من الكرامة ما بلغ، وأخسرُ مَنْ صحب أهل هذه الخمرة، وشهد بأن طريقهم حق، ثم رجع عنها، فهذا مغبون ملعون عند كافة الخلق، أي : مطرود عن شهود الحق، إلا مَن تاب ورجع إلى صحبتهم والأدب معهم، فإن الله غفور رحيم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي