ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ

قوله عز وجل : إن أول بيت وضع للناس
[ آل عمران : ٩٦ ]
٧١١- حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال : حدثنا محمد بن بكير، قال : حدثنا أبو معشر، عن نافع، مولى آل الزبير، وسعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال : إن الكعبة خلقت قبل الأرض، بألفي سنة، وهي قرار الأرض، قال : إنما كانت خشفة أو حشفة١ على الماء، عليها ملكان، من الملائكة، يسبحان الليل والنهار، ألفي سنة، فلما أراد الله عز وجل أن يخلق الأرض دحاها٢ منها، فجعلها في وسط الأرض.
٧١٢- حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال : حدثنا قبيصة، قال : حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال : خلقت الكعبة قبل الأرض بألفي سنة، ودحيت الأرض من تحتها٣.
٧١٣- حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال : حدثنا سليمان بن حرب، قال : حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال : قال الله عز وجل لآدم :«إني مهبط معك بيتا، تطوف حوله كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي » قال : فلم يزل كذلك حتى كان زمان الطوفان، فرفع حتى بوئ لإبراهيم مكانه، فبناه من خمسة أجبل، من حراء، وبثير، ولبنان، والطور، وجبل الخمر٤. قال : قال عبد الله بن عمرو : وأيم الله لتهدمنه أيتها الأمة، ثلاث مرار، يرفع عند الثالثة، فاستمتعوا منه ما استطعتم٥.
٧١٤- حدثنا النجار، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة : إن أول بيت وضع للناس . قال : أول بيت وضعه الله، فطاف به آدم، ومن بعده٦.
٧١٥- حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني، قال : حدثنا عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه قال : لما تاب الله عز وجل على آدم، أمره أن يسافر إلى مكة، فطوى له الأرض والمفاوز، فصار كل مفازة يمر بها خطوة، وقبض له ما كان فيها من مخاض٧ أو بحر، فجعله له خطوة فلم يضع قدمه في شيء من الأرض، إلا صار عمرانا وبركة، حتى انتهى إلى مكة. وكان قبل ذلك قد اشتد بكاؤه وحزنه، لما كان به من عظم المصيبة، حتى إن كانت الملائكة لتبكي لبكائه، وتحزن لحزنه، فعزاه الله عز وجل بخيمة من خيام الجنة، وضعها له بمكة، في موضع الكعبة، قبل أن تكون الكعبة.
وتلك الخيمة، ياقوتة حمراء، من ياقوت الجنة، فيها ثلاثة قناديل، من ذهب نور، تلتهب من نور الجنة، ونزل معها يومئذ الركن، وهو يومئذ ياقوتة بيضاء من ربض الجنة٨، وكان كرسيا لآدم، يجلس عليه.
فلما صار آدم بمكة، حرسه الله، وحرس له تلك الخيمة بالملائكة، كانوا يحرسونها ويذودون عنها سكان الأرض، وسكانها يومئذ : الجن والشياطين، فلا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شيء من الجنة، لأنه من نظر إلى شيء من الجنة وجبت له. والأرض يومئذ طاهرة، نقية، لم تنجس، ولم يسفك فيها الدماء، ولم يعمل فيها بالخطايا، فلذلك جعلها الله مسكن الملائكة، وجعلهم فيها، كما كانوا في السماء، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وكان وقوفهم على أعلام الحرم صفا واحدا، مستديرين، ( فالحرم٩ ) كله من خلفهم، والحرم كله من أمامهم، فلا يجوزهم جني ولا شيطان، ومن أجل مقام الملائكة حرم الحرم حتى اليوم، ووضعت أعلامه حيث كان مقام الملائكة، وحرم على حواء دخول الحرم، والنظر إلى خيمة آدم، من أجل خطيئتها التي أخطأت في الجنة، فلم تنظر إلى شيء من ذلك، حتى قبضت.
وإن آدم صلى الله عليه و سلم كان إذا أراد لقاءها، ليلم بها للولد، خرج من الحرم كله، حتى يلقاها، فلم تزل خيمة آدم مكانها، حتى قبض الله عز وجل آدم، ورفعها إليه، وبنى بنو آدم بها من بعدها مكانا : بيتا بالطين والحجارة، فلم يزل معمورا يعمرونه، ومن بعدهم، حتى كان زمن نوح فنسمه الغرق وخفي مكانه.
فلما بعث الله عز وجل إبراهيم خليله، طلب الأساس، فلما وصل إليه، ظلل الله مكان البيت بغمامة، فكان حفاف البيت الأول، ثم لم تزل راكدة على حفافة تظل إبراهيم وتهديه مكان القواعد، حتى رفع القواعد، وأقام، ثم تكشفت الغمامة، قال : فذلك قول الله عز وجل : وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ١٠ الغمامة التي ركدت على الحفاف لتهديه مكان القواعد.
قال وهب بن منبه، : وقرأت في كتاب، من الكتب الأول، ذكر فيه أمر الكعبة، فوجد فيه، أن ليس من ملك بعثه الله إلى الأرض، إلا أمره بزيارة البيت فينقض من عند العرش، محرما ملبيا حتى يستلم الحجر، ثم يطوف سبعا بالبيت، ويصلي في جوفه ركعتين١١.
٧١٦- حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا شريك، عن مجالد، عن الشعبي، عن علي، في قوله عز وجل :
إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين . قال : هو أول بيت وضع لعبادة الله، وقد بنيت البيوت قبله١٢.
٧١٧- حدثنا محمد بن إسماعيل، قال : حدثنا سعيد بن منصور، قال : حدثنا سفيان بن عيينة، عن بشر بن عاصم، عن سعيد بن المسيب، قال : حدثنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : أقبل إبراهيم عليه السلام من أرمينية ومعه السكينة فدله، حتى بنوا البيت كما بنوا١٣ العنكبوت بيتا، فكان يحمل أحجارا، الحجر يطيقه أو لا يطيقه ثلاثون رجلا فقلت : يا أبا محمد، إن الله عز وجل يقول : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ١٤. قال : كان ذلك بعد.
٧١٨- حدثنا محمد بن إسماعيل، قال : حدثنا عفان، قال : حدثنا خالد بن الحارث، قال : حدثنا أشعث، عن الحسن في قوله عز وجل : إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة . قال : أول قبلة، أعملت للناس، المسجد الحرام.
٧١٩- حدثنا علي بن المبارك قال : حدثنا زيد قال : حدثنا ابن ثور، عن ابن جريج قال : وقال آخرون في قوله : إن أول بيت وضع للناس . قال آخرون : قالت اليهود : بيت المقدس أعظم لأنها مهاجر الأنبياء، ولأنه في الأرض المقدسة، فقال المسلمون : بل الكعبة أعظم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم فنزلت : إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ، فذلك حتى قوله : فيه آيات بينات مقام إبراهيم وليس ذلك في بيت المقدس ومن دخله كان آمنا وليس ذلك في بيت المقدس ولله على الناس حج البيت وليس ذلك لبيت المقدس١٥.
قوله عز وجل : للذي ببكة مباركا [ آل عمران : ٩٦ ]
٧٢٠- حدثنا موسى، قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن أخيه، عن ابن الزبير، قال : إنما سميت بكة : موضع البيت، ومكة : ما حوله.
- وكذلك روي عن النخعي١٦، وأبي مالك١٧، وأبي صالح١٨، وسلمة بن كهيل١٩.
٧٢١- حدثنا محمد بن إسماعيل، قال : حدثنا سعيد، قال : حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن مسعر، عن عتبة بن قيس، قال : إن مكة بكت٢٠ بكاء، الذكر فيها كالأنثى، فقلت : كأن هذا من قول ابن عمر، فقال : بل هو من قول عمر٢١. ٢٢
٧٢٢- حدثنا علي، قال : حدثنا حجاج، قال : حدثنا حماد، عن حماد الكوفي، عن سعيد بن جبير، أنه قال : بكت الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، في الطواف، بعضهم ببعض٢٣.
٧٢٣- حدثنا محمد بن علي، قال : حدثنا سعيد، قال : حدثنا عبد الرحمن بن زياد، عن سعيد، قال : أخبرني سلمة بن كهيل، قال : سمعت مجاهدا يقول : إنما سميت بكة، لأن الناس يبك بعضهم بعضا٢٤.
- وكذلك قال قتادة٢٥.
٧٢٤- أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال : حدثنا الأثرم، عن أبي عبيدة : للذي ببكة قال : للذي ببكة، هو اسم لبطن مكة، وذلك لأنهم يتباكون فيها، ويزدحمون٢٦.
٧٢٥- حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال : حدثنا حسين المروزي : قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، أنه سأل محمد بن زيد بن المهاجر، أن يكتب له في منزل في داره بمكة، فكتب إلى ابن فروخ إياك أن تكريها٢٧ أو تأكل كراها، فإنها إنما سميت بكة، لأنها تبك الظلمة٢٨.
٧٢٦- حدثنا زكريا، قال : حدثنا إسحاق، قال : أخبرنا يحيى بن آدم، عن عبد السلام بن حرب، عن عطاء بن السائب، عن وبرة، قال : صليت إلى جنب أبي جعفر، بمكة، فمرت امرأة، فرددتها، فضرب بيدي، فلما صلى قال : أتدري لم سميت بكة ؟ قلت : لا، قال : لأن الناس تبك فيها بعضهم بعضا، ولها سنة ليست لسائر البلدان٢٩.
٧٢٧- حدثنا النجار، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال : وبكة ؛ بك الناس بعضهم بعضا، الرجال والنساء، جميعا يصلي بعضهم بين يدي بعض، ويمر بعضهم بين يدي بعض، ولا يصلح ذلك إلا بمكة٣٠.

١ - الحشفة - بالحاء المهملة-: صخرة تنبت في البحر ونحوه القاموس ص ١٠٣٤..
٢ - الدحو، كما في قوله تعالى: والأرض بعد ذلك دحاها الآية ٣٠ من سورة النازعات المراد به: أزالها. عن المفردات ص ٣٠٨ للراغب الأصفهاني..
٣ - أخرجه ابن جرير ٧/٢٠، رقم: ٧٤٢٨..
٤ - في الأصل ثبير وهو خطأ، والصواب: بثير. يقول البلادي: بثير إذا أطلق فهو الجبل الذي يشرف على مكة من الشرق ويشرف على منى من الشمال، ويناوح حراء من الجنوب، ويسميه اليوم أهل مكة «جبل الرخم» معجم المعالم الجغرافية في السيرة النوبية ص ٧١..
٥ - أخبار مكة للازرقي ص ٦٣..
٦ - أخرجه ابن جرير ٧/٢١، رقم: ٧٤٣٢، وعبد الرزاق ١/١٢٧..
٧ - المخاض من النهر: الكبير الموضع، القليل الماء، يعبر في الناس النهر مشاة وركبانا، المعجم الوسيط..
٨ - ربض الجنة : هو ما حولها، خارجا عنها. النهاية لابن الأثير ٢/١٨٥..
٩ - هكذا في الأصل والصواب كما في أخبار مكة للأزرقي (فالحل كله من خلفهم...)..
١٠ - الآية رقم: ٢٦ من سورة الحج..
١١ - الأزرقي في أخبار مكة ١/٣٧-٣٩..
١٢ - أخرجه ابن أبي حاتم ٢/٧٠٧، رقم ٣٨٢٧..
١٣ - كذا في الأصل ولعل الصحيح: بنت..
١٤ - الآية ١٢٧ من سورة البقرة..
١٥ - أخرجه الأزرقي في أخبار مكة ١/٧٥..
١٦ - قول إبراهيم النخعي، أخرجه سعيد بن منصور (٥٠٩)، وابن جرير ٧/٢٤، رقم: ٧٤٣٦..
١٧ - قول أبي مالك : أخرجه عبد بن حميد – المنتخب ق ٤٧، وابن جرير ٧/٢٤، رقم: ٧٤٣٥، وابن أبي حاتم ٣/٧٠٩ رقم: ٣٨٣٦..
١٨ - قول أبي صالح : ذكره ابن أبي حاتم ٣/٧٠٩، رقم: ٣٨٣٦..
١٩ - لم أهتد إلى من أخرجه إلا أن سلمه روى هذا القول عن مجاهد كما سيأتي برقم ٧٥١..
٢٠ - أي زحمتهم بعضهم ببعض. ينظر القاموس مادة بكك ص ١٢٠٦..
٢١ في الأصل (ابن عمر) بزيادة (ابن ) والصحيح بدونها..
٢٢ - أخرجه عبد بن حميد – المنتخب ق٤٧، وابن أبي حاتم ٢ رقم : ٣٨٣١..
٢٣ - وذكره بمعناه سعيد بن منصور رقم: ٥١١، وابن جرير ٧/٢٤، رقم : ٧٤٣٩، من طريق سفيان عن حماد قال: سألت سعيد بن جبير..
٢٤ - أخرجه سعيد بن منصور في سننه ٥١٤، وابن أبي شيبة في المصنف ص ٣٠٧، رقم: ٢٠٠٢، وابن جرير ٧/٢٤، رقم: ٧٤٣٨، والبيهقي في الشعب ٧/٥٦٩، رقم: ٣٧٢٧..
٢٥ - سيأتي برقم : ٧٥٥..
٢٦ - مجاز القرآن (١/٩٧)..
٢٧ - تكريها، أي : تؤجرها..
٢٨ - أخرجه ابن أبي حاتم ٣/ ٧٠٩، رقم: ٣٨٣٤..
٢٩ - أخرجه ابن جرير ٧/٢٤، رقم : ٧٤٣٧، وابن أبي حاتم ٣/٧٠٨، رقم : ٣٨٣٢..
٣٠ - أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١/١٣٢، رقم: ٤٣٢، وابن أبي جرير ٧/٢٤، رقم : ٧٤٤٢، وابن أبي حاتم ٣/٧٠٩، رقم: ٣٧٣٣..

تفسير ابن المنذر

عرض الكتاب
المؤلف

ابن المنذر

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير