الآية الرابعة عشرة : قوله تعالى : إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ. فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ، وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً، وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً، وَمَنْ كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ .
فيها ست مسائل :
المسألة الأولى : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قيل له : أيُّ المسجدين وُضِع في الأرض أول ؟ المسجد الحرام أو المسجد الأقصى ؟ قال :«المسجد الحرام ». وذكر أنه كان بينهما أربعون عاماً ؛ وهذا ردٌّ على مَن يقول : كان في الأرض بَيْتٌ قبله تحجُّه الملائكة.
المسألة الثانية : في بركَته.
قيل : ثوابُ الأعمال. وقيل : ثواب القاصِد إليه. وقيل : أَمْن الوحْش فيه. وقيل : عزُوف النفسِ عن الدنيا عند رؤيته.
والصحيحُ أنه مبارك من كلِّ وجْهٍ من وجوه الدنيا والآخرة، وذلك بجميعه موجود فيه.
المسألة الثالثة : فأما قوله : ببكَّةَ ، ففيها ثلاثة أقوال :
الأول : بَكّة : مكة. الثاني : بَكّة : المسجد، ومكة سائر الحرم.
وإنما سُمِّيت بَكّة لأنها تبكُّ أعناقَ الجبابرة، أي تقطعُها. وقال أبو جعفر وقتادة : إنَّ الله سبحانه بَكَّ بها الناسَ ؛ فتصلِّي النساءُ بين يدي الرجال، ولا يكون في بلدٍ غيرها، وصورة هذا أنَّ الناسَ يستديرون بالبيت فيكون وجوهُ البعض إلى البعض فلابدَّ من استقبال النساء من حيث صلُّوا.
أحكام القرآن
ابن العربي