ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ

معنى قوله: قل اعتقد وأخبر أن ذلك من قول الله
تعالى، وهو صادق. وحقيقة قوله: (صَدَقَ اللَّهُ) إقرار بأن الله
قد أخبر، فإنه إذا ثبت كونه من خبره ثبت. كونه صدقا، ونبّه أن
ما أخبر من قوله: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا) وسائر ما تقدّم
صدق، وأنه ملة إبراهيم، وأوجب عليهم اتباعه في تحنّفه أي
في استقامته، وفي قوله: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) تعريض بهم.
كأنه قيل: أنتم مشركون في اتخاذ بعضكم بعضاً أرباباً، وإبراهيم لم
يكن مشركاً، فإذن ليس دينكم دين إبراهيم، وكما نفى في
قوله: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا) أنه منهم نفى في هذه
الآية كونه مشركا.
قوله: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)

صفحة رقم 724

قيل: بكة هي المسجد، ومكة الحرم، وقيل: بكة هي البيت.
وقيل: هي بطن الحرم وقال مجاهد: هما واحد

صفحة رقم 725

كقوله سَبَّد رأسه وسَمَّدَه، أي حلقه، وضرب لازم ولازب.
وأصل بكة من التَّباك أي التزاحم، وذلك اعتبارا بازدحامهم
لقصده، والطواف به، وقيل: لبَكهِ أعناق الجبابرة إذا ألحدوا

صفحة رقم 726

فيه، ومكة من أمتَك الفصيل ما في الضرع، كأنَّه يجمع أهل
الآفاق ويؤلفهم، ولذلك سميت أم الزحم.
والبركة: ثبوت. الخير في الشيء ثبوت الماء في البِرْكة.
وسميت البركة لثبوت الماء، وأصل الكلمة البرك، وبرك البعير ألقى بركه وبُركاءُ

صفحة رقم 727

القتال ملازمته، وتبارك الله تخصُّص بلزوم فعل الخيرات.
واختُلِف في بناء البيت، فقال مجاهد وقتادة: هو أول بيت بُني
في الأرض،

صفحة رقم 728

وقال عليّ: أول بيت وُضِع للعبادة، وهذا الاختلاف لاختلاف
التقديرين في الآية، لأنه على الثاني: إن أول بيت وضع للناس
مباركاً وهدى للعالمين للذي ببكة، ثم اختلفوا في معنى
(أَوَّلَ). فمنهم من اعتبر ذلك بالشرف والمنزلة، فكأنه قيل:
أشرف بيت، وعلى ذلك قال مجاهد: هو كقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ). ومنهم من اعتبر أوليته بالزمان.
قال: أول

صفحة رقم 729

بيت بعد الطوفان، وهو الذي قال: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ). ومنهم من قال: أول موضع اتخذته الملائكة قبلة

صفحة رقم 730

في الأرض، وروى في ذلك أخبارا، وهذا لا يقتضيه الظاهر.
لأنه قال: (وُضِعَ للِنَّاسِ)، فخُص بالناس، وعلى هذا اعتبروا
(الْعَتِيقِ) في قوله: (بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، ونبّه بقوله:
مباركاً، أن فيه ثبوت الخير والهداية، وأبهم هاهنا، ثم فسره بما
بعده، واختلفوا في المقام، والأمن، فمنهم من حمل المقام على
المحسوس)، وقال: إنه أثر قدم إبراهيم على الحجر الصلد.

صفحة رقم 731

ومنهم من حمله على الأحكام، وقال: هو موضع الطواف
والسعي وسائر أركان الحج، ولهذا قال: (آيَاتٌ)، ثم فسره
بمقام وإن كان لفظه مفردا، ومفهم من قال: الآيات هي
المعاني المضَمنة فيه التي يستدل بها العارف، والمقام ما تخصَّص
به إبراهيم من الخُلَّة التي اكتسبها ببذل النفس والمال والولد.
فعلى هذا قوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) من العقوبة، وقال

صفحة رقم 732

بعض الصالحين: كنت أطوف فخطر لي قوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)
ترى من أي شيء يأمن؟ فسمعت هاتفاً يقول: من النار.
وقيل (كَانَ آمِنًا) من بلايا الدنيا وأعراضها التي
تصيب من قال فيهم: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
ومنهم من حمل: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) على الحكم.
ثم اختلفوا. فمنهم من جعله خبراً، وقال: معناه أن من
دخله كان آمناً، وذلك كان في الجاهلية، لأنه لم يكن يُتعرض

صفحة رقم 733

لجانٍ يلتجئ إلى الحرم بوجه حتى يخرج، وقال الحسن
والأصمّ: من دخله يأمن الاصطلام، ومنهم من حمل ذلك
على التعبد، أي في حكم الله، وإن كان في نفسه وجلًا، كقولك:
هذا مباح، وهذا محظور، فعلى هذا من جعل الضمير في قوله:
(وَمَنْ دَخَلَهُ) للبيت قال: لا يتعرض له بوجه إلى أن يخرج، ومن جعله
للحرم فمنهم من قال: من قَتَل في غير الحرم ثم دخله لم يقتصّ منه
إلى أن يخرج، لكن لا يبايع ولا يواكل حتى يضطر إلى الخروج.
وقال الحسن: يقتص من الكل، وهذا كان حكماً في الجاهلية.
ولم يختلفوا أنه إذا جنى في الحرم كان مأخوذاً بجنايته، وعلى

صفحة رقم 734

قوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) يحمل قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا)، وقوله: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا)،

صفحة رقم 735

وقوله: (اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا)، وقُرئ (آيَةٍ بَيِّنَةٍ).
وكأن قارئه نظر إلى لفظ ما أُبدل منه، وهو مقام إبراهيم، فلما كان
مفرداً جعل الآية مفردة، والصحيح ما عليه الكافة، فالمقام

صفحة رقم 736

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية