ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ

قال البغوي : قالت اليهود للمسلمين : بيت المقدس قبلتنا أفضل من الكعبة وأقدم وهو مهاجر الأنبياء، وقال المسلمون بل الكعبة أفضل فأنزل الله تعالى إن أ ول بيت وضع للناس أي وضعه الله تعالى لهم قبلة، وقيل : وضع للناس يحج إليه، وقال الحسن والكلبي : معناه أن أول مسجد ومعبد وضع للناس يعبد الله فيه كما قال الله تعالى : في بيوت أذن الله أن ترفع ١ يعني المساجد للذي أي للبيت الذي ببكّة قيل هي مكة نفسها والعرب يعاقب بين الباء والميم يقال نميط ونبيط ولازم ولازب وراتب وراتم، وقيل : بكة بالباء موضع البيت أو هو مع المطاف، ومكة بالميم اسم البلد سميت بكة لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون، وقال عبد الله بن الزبير : لأنها تبك أعناق الجبابرة أي يدقها فلم يقصده جبار بسوء إلا قصمه الله كأصحاب الفيل، وأما مكة سميت بها لقلة الماء. واختلف العلماء في معنى أوليته ؟ فقال ابن عمر ومجاهد وقتادة والسدي : هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض خلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحته، وقيل : هو أول بيت بني في الأرض. روي عن علي بن الحسين عليه وعلى آبائه السلام :" إن الله وضع تحت العرش بيتا وهو البيت المعمور فأمر الملائكة أن يطوفوا به، ثم أمر الملائكة الذين هم سكان الأرض أن يبنوا في الأرض بيتا على مثاله وقد ره فبنوه وسموه الصراح وأمر من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور " وروي " أن الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفي عام، فكانوا يحجونه فلما حجه آدم قالت الملائكة : برّ حجك حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام "، ويروي عن ابن عباس قال : أراد به أنه أول بيت بناه آدم في الأرض أخرجه الأرزقي في تاريخ مكة. وفي الصحيحين عن أبي ذر قلت : يا رسول الله " أي مسجد وضع في الأرض أولا ؟ قال :" المسجد الحرام "، قلت : ثم أيّ ؟ قال :" المسجد الأقصى " قلت : كم كان بينهما ؟ قال :" أربعون سنة "، ثم أينما أدركتك الصلاة فصلها فإن الفضل فيه " ٢ وقيل : هو أول بيت بناه آدم فرفع زمن الطوفان، وقيل : انطمس في الطوفان ثم بناه إبراهيم، قيل : ثم هدم فبناه قوم من جرهم ثم العمالقة ثم قريش. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي أنه لما بنى إبراهيم البيت بعد ما رفع زمن الطوفان بوّأه الله مكان البيت فبعث ريحا يقال لها ريح الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية فكنست لها ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول فبناه على الأساس القديم، وقيل : المراد أنه أول بالشرف دون الزمان يروى ذلك عن علي عليه السلام، قال الضحاك : أول بيت وضعت في البركة حيث قال الله تعالى مباركا منصوب على الحال أي ذا بركة وكثرة في الأجر والثواب فإن بعض العبادات يختص به كالحج والهدايا والعمرة وما عداها من الصلاة والصوم والاعتكاف يكثر أجرها فيه من سائر الأمكنة، ومن ثم قال أبو يوسف رحمة الله : من نذر أن يصلي في المسجد الحرام ركعتين لا يجزئ عنه أن يصلي في غيره لحديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمس مائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بألف صلاة، وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة " ٣ رواه ابن ماجه، وروى الطحاوي عن عطاء بن الزبير قال :" صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا " وروي عن عبد الله بن الزبير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مثله ولم يرفعه، وروى نحوه عن جابر بن عبد الله مرفوعا، وروى ابن الجوزي عن جابر مرفوعا بلفظ " وصلاة في المسجد الحرام أ فضل من مائة ألف صلاة " لكن أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله يقولان : هذا الفضل محمول على الصلوات المكتوبات خاصة دون النوافل لحديث زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة " ٤ متفق عليه. قلت : والاعتكاف في حكم الصلوات المكتوبات لأنه تربص في المسجد لانتظار الصلوات المكتوبات فكأنه فيها، وروى ابن الجوزي في فضائل مكة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو واقف بالحرورة في سوق مكة :" والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى عز وجل ولولا أني أخرجت منك ما خرجت " ٥ وكذا روى ابن الجوزي من حديث أبي هريرة مرفوعا وهدى للعالمين لأنه قبلتهم وفيه آيات عجيبة تهدي إلى الإيمان بالله ورسوله عطف على مباركا.

١ سورة النور، الآية: ٣٦..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب (٣٤٢٥) وأخرجه مسلم في أول كتاب: المساجد ومواضع الصلاة (٥٢٠)..
٣ أخرجه ابن ماجه في كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في الصلاة في المسجد الجامع (١٤١٣) وقال في الزوائد: إسناده ضعيف..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: الجماعة والإمامة، باب: صلاة الليل (٦٩٨) وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب صلاة النافلة في بيته (٧٨١)..
٥ أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب، باب: في فضل مكة (٣٩٣٤) وقال: حسن غريب صحيح..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير