قوله: الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ أي يخلقهم ابتداء ثم يعيدهم بعد الموت أحياء
صفحة رقم 391
ولم يقل: «يُعِيدُهُمْ» رد على الخلق، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ؛ فيجزيهم بأعمالهم، قرأ أبو بكر، وأبو عمرو «يَرْجِعُونَ» - بالياء - والآخرون بالتاء.
قوله: وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُبْلِسُ المجرمون قرأ العامة «يُبْلِسُ» ببنائه للفاعل وهو المعروف يقال: أَبْلَسَ الرجل أي انقطعت حجته فكست وهو قاصر لا يتعدى، قال العجاج:
٤٠٣٦ - يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْماً مُكْرَسَا... قَالَ: نَعَمْ أَعْرِفُهُ وَأَبْلَسَا
وقرأ السُّلَمِيُّ: «يُبْلَسُ» مبنيّاً للمفعول، وفيه بعدٌ، لأن أبْلَسَ يتعدى، وقد خُرِّجَتْ هذه القراءة على أن القائم مقام الفاعل مصدر الفعل، ثم حذف (المضافُ، وأقيم) المضاف إليه مُقَامَهُ، إذ الأصل يُبْلَسُ إبْلاَس المجرمين، و «يبلس» هو الناصب «ليَوْمَ تَقُومُ» و «يَوْمَئِذٍ» مضاف لجملة تقديرها يَوْمَئِذٍ يقوم وهذا كأنه تأكيد لفظي، إذ يصير التقيدر يبلس المجرمون (يوم تقوم الساعة).
فصل
قال قتادةُ والكَلْبِيُّ: المعنى يبلس المشركون من كل خير؛ وقال الفراء: ينقطع كلامهم وحججهم. وقال مجاهد: يفتضحون. ولم يكن لهم شركائهم أصنامهم التي عبدوها ليشفعوا لهم شفعاء، وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ يتبرأون منها وتتبرأُ منهم.
قوله: وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ أي بين أهل الجنة من أهل النار، قال مقاتل: يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار فلا يجتمعون أبداً كما قال تعالى: فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير [الشورى: ٧]. قوله: فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ صفحة رقم 392
وهي البستان الذي في غاية النضارة، وقوله: «يُحْبَرُونَ» قال ابن عباس يكرمون. وقال قتادة ومجاهد: يُنَعمون، وقال مجاهد وأبو عبيدة: يسرون، والحَبْر والحُبُور السرور. وقيل الحَبْرة في اللغة كل نعمة حسنة والتَّحْبير التَّحْسِينُ يقال هو حسن الحِبرَ والسِّبر بكسر الحاء والسين وفتحهما وفي الحديث: «حَبْرْتُهُ لَكَ تَحْبِيراً»، أي حسنت لك صوتي والقرآن تحسيناً، وجاء في الحديث «يَخْرُجُ من النَّارِ رَجُلٌ ذَهَبَ حَبْرُهُ وسَبْرُهُ» فالمفتوح مصدر والمكسور اسم، والروضة الجنة، قيل: ولا تكون روضة إلا وفيها نبت، وقيل: إلا وفيها ماء، وقيل: ما كانت منخفضة، والمرتفعة يقال لها: تُرعة، وقيل: لا يقال لها روضة إلا وهي في مكان غليظ مرتفع. قال الأعشى:
| ٤٠٣٧ - ما رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةً | خَضْرَاءَ جَادَ عَلَيْهَا مُسْبِلٌ هَطِلُ |
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود