ﭝﭞﭟﭠﭡﭢ

قال القشيري : وإذا كان الأمر هكذا، فَجِدَّ، أيها المؤمن، في طاعة مولاك، وأَكْثِرْ من ذكره، صباحاً ومساء، وليلاً ونهارا ؛ لتنال ذلك الوعد، وَتَنْجَو من الوعيد، كما أبان ذلك بقوله :
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ
قلت :" فسبحان " : مصدر لمحذوف، أي : سبحوا سبحان. و( حين ) : متعلق بذلك المحذوف.
يقول الحق جل جلاله : فسبحانَ اللهِ أي : فسبّحوا الله ونزّهوه تنزيهاً يليق به في هذه الأوقات التي تظهر فيها قدرته، وتجدد فيها نعَمه، وهي حينَ تُمسون ؛ تدخلون في المساء وحين تُصبحون تدخلون في الصباح.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : أما وجه الأمر بالتنزيه حين المساء والصباح ؛ فلأنَّ المجوس كانوا يسجدون للشمس في هذين الوقتين ؛ تسليماً وتوديعاً، فأمر الحق تعالى المؤمنين أن ينزهوه عمن يستحق العبادة معه، وأما العشي ؛ فلأنه وقت غفلة الناس في جميع حوائجهم، وأما وقت الظهيرة ؛ فلأن جهنم تشتعل فيه ؛ كما في الحديث، وأمر بحمده والثناء عليه في كل وقت ؛ لما غمرهم من النِعَم الظاهرة والباطنة.
قال القشيري : فمن كان صباحُه بالله ؛ بُوركَ له في يومه، ومن كان مساؤه بالله ؛ بورك له في ليلته، وأنشدوا٣ :

وإنَّ صَبَاحاً نلتقي في مسائه صَبَاحٌ على قلب الغريب حبيبُ
شتَّان بين عبد : صباحُه مُفْتَتَحٌ بعبادته، ومساؤه مُخْتَتَمٌ بطاعته، وبين عبدٍ : صباحه مُفتتح بمشاهدته، ورواحه مختتم بعزيز رؤيته. قلت : الأول من عامة الأبرار، والثاني من خاصة العارفين الكبار، وبقي مقام الغافلين، وهو : من كان صباحه مفتتح بهم نفسه، ومساؤه مختتم برؤية حسه، ثم ذكر احتمال الصلوات الخمس في الآية، كما تقدم - ثم قال : وأراد الحق من أوليائه أن يجددوا العبودية في اليوم والليلة خمس مرات، فيقف على بساط المناجاة، ويستدرك ما فاته بين الصلاتين من صوارف الزلات. هـ.
وقوله تعالى : يُخرج الحي من الميت يُخرج الذاكر من الغافل، والغافل من الذاكر، والعارف من الجاهل، والجاهل من العارف، ويُحيي أرض النفوس باليقظة والمعرفة، بعد موتها بالغفلة والجهل، وكذلك تُخرجون من قبوركم على ما متم عليه، من معرفة أو جهل، من يقظة أو غفلة، يموت المرء على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. والله تعالى أعلم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير