ثم يقول الحق سبحانه :
فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون١٧
هنا تتجلى عظمة الإيمان، وتتجلى محبة الله تعالى لخلقه، حيث يدعوهم إليه في كل أوقات اليوم والليلة، في الصباح وفي المساء، في العشية والظهيرة.
والحق سبحانه حين يطلب من عباده أن يؤمنوا به، إنما لحبه لهم، وحرصه عليهم ليعطيهم، ويفيض عليهم من آلائه، وإلا فهو سبحانه بصفات الكمال والجلال غني عنهم، فإيمان المؤمنين لا يزيد في ملكه سبحانه شيئا، كذلك كفر الكافرين لا ينقص من ملكه سبحانه شيئا.
إذن : المسألة أنه سبحانه يريد أن يبر صنعته، ويكرم خلقه وعباده ؛ لذلك يستدعيهم إلى حضرته، وقربنا هذه المسألة بمثل- ولله تعالى المثل الأعلى-، قلنا : إذا أردت أن تقابل أحد العظماء، أو أصحاب المراكز العليا، فدون هذا اللقاء مشاق لا بد أن تتجشمها.
لا بد أن يؤذن لك أولا في اللقاء، ثم يحدد لك الزمان والمكان، بل ومدة اللقاء وموضوعه، وربما الكلمات التي ستقولها، ثم هو الذي ينهي اللقاء، لا أنت.
هذا إن أردت لقاء الخلق، فما بالك بلقاء الخالق عز وجل ؟ يكفي أنه سبحانه يستدعيك بنفسه إلى حضرته، ويجعل ذلك فرضا وحتما عليك، ويطلبك قبل أن تطلبه، ويذكرك قبل أن تذكره، لا مرة واحدة، إنما خمس مرات في اليوم والليلة، فإذا لبيت طلبه أفاض عليك من رحمته، ومن نعمه، ومن تجلياته، وما بالك بصنعة تعرض على صانعها خمس مرات كل يوم، أيصيبها عطب ؟
ثم يترك لك ربك كل تفاصيل هذه المقابلة، فتختار أنت الزمان والمكان والموضوع، فإن أردت أن تطيل أمد المقابلة، فإن ربك لا يمل حتى تمل ؛ لذلك فإن أهل المعرفة الذين عرفوا لله تعالى قدره، وعرفوا عطاءه، وعرفوا عاقبة اللجوء إليه سبحانه يقولون :
حسب نفسي عزا بأني عبد***يحتفي بي بلا مواعيد رب
هو في قدسه الأعز ولكن***أنا ألقي كيفما وأين أحب
والعبودية كلمة مكروهة عند البشر ؛ لأن العبودية للبشر ذل ومهانة، حيث يأخذ السيد خير عبده، أما العبودية لله فهي قمة العز كله، وفيها يأخذ العبد خير سيده ؛ لذلك أمتن الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه العبودية في قوله سبحانه : سبحان الذي أسرى بعده... ١ ( الإسراء )
وكلمة فسبحان الله... ١٧ ( الروم ) هي في ذاتها عبادة وتسبيح لله تعني : أنزه الله عن أن يكون مثله شيء ؛ لذلك يقول أهل المعرفة : كل ما يخطر ببالك فالله غير ذلك ؛ لأنه سبحانه : ليس كمثله شيء... ١١ ( الشورى )
وقلنا : إنك لو استقرأت مادة سبح ومشتقاتها في كتاب الله تجد في أول الإسراء : سبحان الذي أسرى بعبده... ١ ( الإسراء ) وفي أول سورة الحديد : سبح لله ما في السماوات والأرض... ١ ( الحديد ) ثم يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض... ١ ( الجمعة )
فكأن الله تعالى مسبح أزلا قبل أن يخلق من يسبحه، فالتسبيح ثابت لله أولا، وبعد ذلك سبحت له السماوات والأرض، ولم ينقطع تسبيحها، إنما ما زالت مسبحة لله.
فإذا كان التسبيح ثابتا لله تعالى قبل أن يخلق من يسبحه، وحين خلق السماوات والأرض سبحت له السماوات والأرض وما زالت، فعليك أنت أيها الإنسان ألا تشذ عن هذه القاعدة، وألا تتخلف عن هذه المنظومة الكونية، وأن تكون أنت كذلك مسبحا ؛ لذلك جاء في القرآن : سبح اسم ربك الأعلى ١ ( الأعلى )
فاستح أنت أيها الإنسان، فكل شيء في الوجود مسبح وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم... ٤٤ ( الإسراء )
لكن أراد بعض العلماء أن يقرب تسبيح الجمادات التي لا يسمع لها صوتا ولا حسا، فقال : إن تسبيحها تسبيح دلالة على الله، ونقول : إن كان تسبيح دلالة كما تقول فقد فهمته، والله يقول ولكن لا تفقهون تسبيحهم... ٤٤ ( الإسراء )
إذن : ففهمك له غير حقيقي، وما دام أن الله أخبر أنها تسبح فهي تسبح على الحقيقة بلغة لا نعرفها نحن، ولم لا والله قد أعطانا أمثلة الأشياء غير ناطقة سبحت ؟ ألم يقل عن الجبال أنها تسبح مع داود عليه السلام : يا جبال أوبي١ معه والطير... ١٠ ( سبأ ) ألم يثبت للنملة وللهدهد كلاما ومنطقا ؟ وقال في عموم الكائنات : كل قد علم صلاته وتسبيحه... ٤١ ( النور )
إذن : فالتسبيح لله تعالى من كل الكائنات، والحق سبحانه يعطينا المثل في ذواتنا : فأنت إذا لم تكن تعرف الإنجليزية مثلا، أتفهم من يتكلم بها ؟ وهي لغة لها أصوات وحروف تنطق، وتسمعها بنفس الطريقة التي تتكلم أنت بها.
لذلك تأتي كلمة( سبحان الله ) في الأشياء التي يجب أن تنزه الله فيها، واقرأ إن شئت قوله تعالى في الإسراء : سبحان الذي أسرى بعبده... ١ ( الإسراء ) كأنه سبحانه يقول لنا : نزهوا الله عن مشابهة البشر، وعن قوانين البشر في هذه المسألة، إياك أن تقول : كيف ذهب محمد من مكة إلى بيت المقدس، ثم يصعد إلى السماء، ويعود في ليلة واحدة.
فباقون البشر يصعب عليك فهم هذه المسألة، وهذا ما فعله كفار مكة حيث قالوا : كيف ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا٢، وتدعي أنك أتيتها في ليلة ؟ فقاسوا المسألة والمسافات على قدرتهم هم، فاستبعدوا ذلك وكذبوه.
ولو تأملوا الآية سبحان الذي أسرى بعبده... ١ ( الإسراء ) وهم أهل اللغة لعرفوا أن الإسراء لم يكن بقوة محمد، فلم يقل أسريت، ولكن قال " أسري بي "، فلا دخل له في هذه المسألة وقانونه فيها ملغى، إنما أسرى بقانون من أسرى به.
إذن : عليك أن تنزه الله عن قوانينك في الزمان وفي المسافة، وإن أردت أن تقرب هذه المسألة للعقل، فالمسألة تحتاج إلى زمن يتناسب مع الوسيلة التي ستقطع بها المسافة، فالذي يسير غير الذي يركب دابة، غير الذي يركب سيارة أو طائرة أو صاروخا وهكذا.
فإذا كان في قوانين البشر : إذا زادت القوة قل الزمن، فكيف لو نسبت القوة إلى الله عز وجل ؟ عندها نقول : لا زمن فإن قلت : إن ألغينا الزمن مع قوة الله وقدرته تعالى، فلماذا ذكر الزمن هنا وقدر بليلة ؟
قالوا : لأن الرحلة لم تقتصر على الذهاب والعودة، إنما تعرض فيها النبي صلى الله عليه وسلم لمراء كثيرة، وقابل هناك بعض الأنبياء، وتحدث معهم، فهذه الأحداث لرسول الله هي التي استغرقت الزمن، أما الرحلة فلم تستغرق وقتا.
كذلك جاءت كلمة ( سبحان ) في قوله تعالى : سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون٣٦ ( يس ) لماذا ؟ لأن مسألة الخل من المسائل التي يقف عندها العقل، وينبغي أن ننزه الله عن يشاركه فيها أحد.
ولما نزلت هذه الآية كان الناس يعرفون الزوجية في النبات لأنهم كانوا يلقحون النخل، ويعرفونها في الإنسان ؛ لأنهم يتزوجون وينجبون، وكذلك يعرفونها في الحيوان، هذه حدود العقل في مسألة الزوجية.
لكن الآية لم تقتصر على ذلك، إنما قال سبحانه ومما لا يعلمون ٣٦ ( يس ) لأن المستقبل سيكشف لهم عن أشياء أخرى تقوم على نظرية الزوجية، وقد عرفنا نحن هذه النظرية في الكهرباء مثلا حيث ( السالب )و( الموجب )، وفي الذرات حيث( الإلكترونات )، و( البروتونات )... الخ.
إذن : ساعة تسمع كلمة التسبيح فاعلم أنك ستستقبل حدثا فريدا، ليس كأحداث البشر، ولا يخضع لقوانينهم.
٢ أورد ابن هشام في السيرة النبوية(١/٣٩٨)"أن أكثر الناس في قريش قالوا: هذا والله الإمر البين، والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرا مقبلة، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة"..
تفسير الشعراوي
الشعراوي