ﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ

ثم يقول الحق سبحانه :
وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون١٨
نلحظ أن قوله تعالى وله الحمد في السماوات والأرض... ١٨ ( الروم ) فصلت بين الأزمنة المذكورة، فجعلت تمسون وحين تصبحون ١٧ ( الروم ) في ناحية، و وعشيا وحين تظهرون١٨ ( الروم ) في ناحية، مع أنها جميعا أوقات وأزمنة في اليوم والليلة، لماذا ؟
قالوا : لأنه سبحانه يريد أن يشعرنا أن له الحمد، ويجب أن تحمده على أنه منزه عن المثيل ؛ لأنها في مصلحتك أنت، وأنت الجاني لثمار هذا التنزيه، فإن أرادك بخير فلا مثيل له سبحانه يمنعه عنك، وله وحده الكبرياء الذي يحميك أن يتكبر أحد عليك، وله وحده تخضع وتسجد، لا تسجد لغيره، فسجودك لوجه ربك يكفيك كل الأوجه، كما قال الشاعر :
فالسجود الذي تجتويه١ فيه***من ألوف السجود نجاة
إذن : من مصلحتك أن يكون الله تعالى هو الواحد الذي لا مثيل له، والقوى الذي لا يوجد أقوى منه، والمتكبر بحق ؛ لأن كبرياءه يحمي الضعيف أن يتكبر عليه القوي، يجب أن تحمد الله الذي تعبدنا بالسجود له وحده، وبالخضوع له وحده ؛ لأنه أنجاك بالسجود له أن تسجد لكل قوي عنك، وهذا من عظمته تعالى ورحمته بخلقه ؛ لذلك تستوجب الحمد.
لذلك نقول في العامية( اللي ملوش كبير يشتري له كبير ) لماذا ؟ لأنه لا يعيش عزيزا مكرما إلا إذا كان له كبير يحميه، ويدافع عنه، كذلك أنت لا تكون عزيزا إلا في عبوديتك لله.
والخلق جميعا بالنسبة لله تعالى سواء، فليس له سبحانه من عباده ولد ولا قريب، فلا مؤثرات تؤثر عليه، فيحابى أحدا على أحد. فنحن جميعا شركة في الله ؛ لذلك يقول سبحانه ما اتخذ صاحبه ولا ولدا٣ ( الجن ) أي : لا شيء يؤثر عليه سبحانه.
وقال بعد التسبيح وله الحمد... ١٨ ( الروم ) لأن التسبيح ينبغي أن يتبع بالحمد فتقول : سبحان الله والحمد لله، أي : الحمد لله على أنني سبحت مسبحا.
وحين نتأمل هذه الأوقات التي أمرنا الله فيها بالتسبيح، وهي المساء والصباح والعشى، وهي من العصر إلى المغرب. ثم الظهيرة نجد أنها أوقات عامة سارية في كون الله لا تنقطع أبدا، فأي صباح وأي مساء ؟ صباحي أنا ؟ أم صباح الآخرين ؟ مسائي أم مساء غيري في أقصى أطراف المعمورة ؟
إن المتأمل في دورة الوقت يجد أن كل لحظة فيه لا تخلو من صباح ومساء، وعشية وظهيرة، وهذا يعني أن الله تعالى مسبح معبود في كل لحظة من لحظات الزمن.
وفي ضوء هذا نفهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم :" إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل " ٢ فالكون لا يخلو في لحظة واحدة من ليل أو نهار، وهذا يعني أن يد الله سبحانه مبسوطة دائما لا تقبض : بل يداه مبسوطتان... ٦٤ ( المائدة )

١ الاجتواء: عدم موافقة الشيء للإنسان فتحدث كراهية له، ومنها اجتويت البلد إذا كرهت المقام فيه، وإن كنت في نعمة.(لسان العرب-مادة: جوى)..
٢ أخرجه مسلم في صحيحه (٢٧٥٩) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير