«وله الحمد في السموات والأرض» الجملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه لنكتة أوردها الرازي وهي أن تسبيحهم لنفعهم لا له فعليهم أن يحمدوه إذا سبحوه لأجل نعمة هدايتهم الى التوفيق.
٣- الفاء قبل إذا الفجائية:
تقدم القول في إذا الفجائية ونقول هنا إن الغالب فيها أن تقع بعد الفاء لأنها تقتضي التعقيب ووجه وقوعها مع ثم بالنسبة الى ما يليق بالحالة الخاصة أي بعد تلك الأطوار التي قصها علينا في مواضع أخر من كوننا نطفة ثم مضغة ثم عظما مجردا ثم عظما مكسوا لحما فاجأ البشرية بالانتشار أي انهم انما يصيرون بشرا بعد أطوار كثيرة.
٤- الحكمة في اختلاف الألوان والألسنة:
خالف سبحانه بين الألوان والألسنة حتى ما تكاد تسمع منطقين متفقين في جرس واحد ولا جهارة واحدة وحتى ما تكاد ترى صورتين متشابهتين تمام التشابه في الألوان والسمات والقسمات لحصول التعارف وإلا فلو كانت على مسلاخ واحد وبلون واحد وتقاسيم وتقاطيع واحدة لحصل الخلل والالتباس ولا نعدم التمييز بينها جميعا حتى أن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما والأمور الملاقية لهما في التخليق يختلفان في شيء من ذلك محالة مهما يتقاربا في وجوه الشبه.
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٢٣ الى ٢٦]
وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦)
الإعراب:
(وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ) الواو عاطفة ومن آياته خبر مقدم ومنامكم مبتدأ مؤخر وبالليل متعلقان بمنامكم وابتغاؤكم عطف على منامكم ومن فضله متعلقان بابتغاؤكم.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر ولقوم صفة لآيات وجملة يسمعون صفة لقوم. (وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً) من آياته خبر مقدم ويريكم مبتدأ مؤخر على أنه فعل مضارع مؤول مع ان المصدرية المحذوفة والأصل أن يريكم وسيأتي المزيد من هذا المبحث الهام في باب الفوائد ويريكم فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله والكاف مفعول به أول والبرق مفعول به ثان وخوفا وطمعا نصب على أنهما مفعول لأجله وقد اعترض على هذا الإعراب بأن من حق المفعول له أن يكون فعلا لفاعل الفعل المعلل، والخوف والطمع ليسا كذلك، والجواب عن هذا الاعتراض يأتي من جهتين إما ان المفعولين فاعل في المعنى لأنهم راءون فكأنه قيل يجعلكم رائين البرق
خوفا وطمعا والثاني أن يكون على تقدير حذف المضاف أي إراءة خوف وإراءة طمع فحذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه ويجوز أن يكونا حالين أي خائفين طامعين وسيأتي المزيد من هذا البحث في باب الفوائد.
(وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) وينزل عطف على يريكم ومن السماء جار ومجرور متعلقان بينزل وماء مفعول به فيحيي عطف على ينزل وبه متعلقان بيحيي والأرض مفعول به وبعد موتها الظرف متعلق بمحذوف حال. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) تقدم إعرابه. (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ) عطف على ما تقدم. (ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة دعاكم في محل جر بإضافة الظرف إليها ودعاكم فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به ودعوة مفعول مطلق ومن الأرض متعلقان بدعاكم، يقال دعوته من أسفل الوادي فطلع إلي، وإذا الفجائية وهي تقوم مقام الفاء في جواب الشرط وأنتم مبتدأ وجملة تخرجون خبر. (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ) له خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وفي السموات والأرض صلة وكل مبتدأ وله متعلقان بقانتون وقانتون خبر كل أي مطيعون طاعة انقياد.
البلاغة:
في قوله تعالى «ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله» فن اللف وقد تقدم بحثه كثيرا قال الزمخشري: «هذا من باب اللف وترتيبه: ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل
والنهار. إلا أنه فصل بين القرينتين الأوليين بالقرينتين الأخريين لأنهما زمانان والزمان والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد، ويجوز أن يراد منامكم في الزمانين وابتغاؤكم فيهما والظاهر هو الأول لتكرره في القرآن وأشدّ المعاني ما دل عليه القرآن يسمعونه بالآذان الواعية» أقول ما ذكره الزمخشري مشكل من جهة الصناعة النحوية لأنه إذا كان المعنى ما ذكره يكون النهار معمول ابتغاؤكم وقد تقدم عليه وهو مصدر وذلك لا يجوز ثم يلزم العطف على معمولي عاملين فالتركيب لا يسوغ.
وشجب ابن هشام قول الزمخشري فقال: «قول الزمخشري ومن مناكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إنه من اللف والنشر وان المعنى منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، وهذا يقتضي أن يكون النهار معمولا للابتغاء مع تقديمه عليه وعطفه على معمول منامكم وهو بالليل وهذا لا يجوز في الشعر فكيف في أفصح الكلام؟».
أقول: إن الزمخشري لم يرد العمل الذي قاله ابن هشام بل مراده أن الليل مرتبط معنى بالمنام والنهار مرتبط معنى بالابتغاء وبالليل خبر لمبتدأ محذوف والتقدير وذلك كائن بالليل والنهار والجملة معترضة حقها التأخير.
الفوائد:
١- شرط اتحاد الفاعل في المفعول لأجله:
أشرنا في الاعراب الى الاعتراض الموجه الى اعراب خوفا وطمعا مفعولا لهما والرد على الاعتراض وشرط اتحاد الفاعل قاله المتأخرون
من النحاة وخالفهم ابن خروف فأجاز النصب مع اختلاف الفاعل محتجا بهذه الآية قائلا إن فاعل الإراءة هو الله تعالى وفاعل الخوف والطمع المخاطبون وأجاب عنه ابن مالك في شرح التسهيل فقال: «معنى يريكم يجعلكم ترون ففاعل الرؤية على هذا هو فاعل الخوف والطمع».
ومن أمثلة حذف أن وإنزال الفعل منزلة المصدر المثل المعروف «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» وهذا المثل يضرب لمن خبره خير من مرآه، أول من قاله المنذر بن ماء السماء وكان يسمع بمشقة بن خمرة المعيدي ويعجبه ما يبلغه عنه فلما رآه، وكان كريه المنظر، قال هذا المثل فخير خبر للمصدر المنسبك من أن المضمرة في تسمع أي سماعك، ومنه قول طرفة بن العبد:
| ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى | وأن أشهد اللّذات هل أنت مخلدي |
وقالوا:
| ما تشاء؟ فقلت ألهو | إلى الإصباح آثر ذي أثير |
| أرقت وصحبتي بمضيق عمق | لبرق من تهامة مستطير |
| سقوني الخمر ثم تكنفوني | عداة الله من كذب وزور |