ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪ

ولما ذكر أنّ السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم، أتبعه ذكر ما يحب أن يفعل وما يجب أن يترك، يعني : عند البسط ؛ فقال : فآت ذا القربى ؛ أعطِ قريبك حَقَّهُ من البر والصلة مما بسط عليك. و أعط المسكينَ وابنَ السبيل حقهما ؛ من الصدقة الواجبة أو التطوعية، حسبما تقتضيه مكارم الأخلاق. والخطاب لمن بسط عليه، أو : للنبي - عليه الصلاة والسلام، وغيره تبع. ذلك أي : إيتاء حقوقهم الواجبة، والتطوعية، خيرٌ للذين يُريدون وَجْهَ الله أي : ذاته المقدسة، أي : يقصدون، بمعروفهم، إياه، خالصاً. وأولئك هم المفلحون ؛ الفائزون بكل خير، قد حَصَّلوا، بما بسط لهم، النعيم المقيم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : البسط والقبض يتعاقبان على العبد تَعَاقُبَ الليل والنهار. فالواجب على العبد : الرجوعُ إلى الله في السراء والضراء، فالبسط يشهد فيه المنّة من الله، ومقتضى الحق منك الحمدُ والشكر. والقبض يشهده من الله امتحاناً وتصفية، ومقتضى الحق منك الصبرُ والرضا، وانتظار الفرج من الله ؛ فإن انتظار الفرج، مع الصبر، عبادة. قال القشيري : الإشارة إلى ألا يُعلِّق العبدُ قلبَه إلا بالله، لأن ما يسوءهم ليس زواله إلا من الله، وما يسرهم ليس وجودُه إلا من الله. فالبسطُ، الذي يسرهم ويؤنسهم منه، وجوده، والقبض، الذي يسوءهم ويحوشهم منه، حصولُه. فالواجب : لزوم عهوده بالإسرار، وقطعُ الأفكار عن الأغيار. هـ.
وقال في قوله : فآتِ ذا القربى حَقَّه : القرابة على قسمين ؛ قرابةُ النسب وقرابةُ الدين، وهي أمسُّ، وبالمواساة أحقُّ. وإذ كان الرجلُ مشتغلا بالعبادة، غيرُ متفرَغ لطلب المعيشة، فالذي له إيمان بحاله، وإشرافٌ على وقته، يجب عليه أن يقوم بشأنه، بقدر ما يمكنه، مما يكون له عونٌ على طاعته، مما يشوش قلبه، من حديث عياله، فإن كان اشتغال الرجل بشيء من مراعاة القلب فحقّه آكد، وتَفَقُّدَه أوْجَب، ذلك خير للذين يريدون وجه الله ، والمريدُ هو الذي يُؤْثِرُ حقَّ الله على حظِّ نَفْسِه. فإيثارُ الإخوان، لمن يريد وجه الله، أتمُّ من مراعاة حال نفسه، فهمّه بالإحسان لذوي القربى والمساكين يتقدم على نظره لنفسه وعَيْلَتِهِ، وما يهمه من نصبيه. هـ.
وقال في قوله : يُريدون وجه الله : لا تستخدم الفقير بما تُريده به من رفق، بل أفضل الصدقة على ذي رَحمٍ كاشح، أي : قاطع ؛ حتى يكون إعطاؤُه لله مجرداً عن كل نصيبٍ لَكَ. فهؤلاء هم الذين يتضاعِفُ أجِرْهم بمجاهدتهم لنفوسهم، حيث يخالفونها، وفوزهم بالعِوَضِ من قِبَل الله. ثم الزكاة هي التطهير، فتطهيرُ المال معلومٌ ببيان الشريعة، وزكاة البَدَنِ، وزكاةُ القلبِ، وزكاةُ السِّر، كلُّ ذلك يجب القيام به. هـ. قلت : فزكاة البدن : إتعابه في القيام بوظائف العبودية الظاهرة، وزكاة القلب : تطهيره من الرذائل وتحليته بالفضائل، وزكاة السر : صيانته من الميل إلى شيء من السِّوى. والله تعالى أعلم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير