ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪ

ثم يقول رب العزة سبحانه :
فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون٣٨
حينما نتأمل النسق القرآني هنا نجد أن الله تعالى أولا البسط في الرزق، ثم التقتير فيه، ثم أكد بعده مباشرة على حق ذي القربى والمسكين وابن السبيل، وكأنه يلفت أنظارنا أن هذه الحقوق لا تقتصر على من بسط له الرزق، إنما هي على الجميع حتى من كان في خصاصة، وضيق عليه رزقه، فلا ينسى هؤلاء.
لذلك يذيل الحق سبحانه الآية بقوله : ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون٣٨ ( الروم ) والجميع : من بسط له، ومن قتر عليه يريدون وجه الله.
وبمقارنة هذه الآية بآية الزكاة : إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين١ وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم٦٠ ( التوبة )
فلم تذكر ذا القربى الذي ذكر هنا، وكأن الآية تشير لنا إلى أمر ينبغي أن نلتفت إليه، وهو أن القريب عيب أن نعطيه من مال الزكاة، وهذه آفة وقع فيها كثير من الأغنياء وحتى المتدينين منهم، فكثيرا ما يسألون : لي ابن عم، أو لي قريب أأعطيه شيئا من زكاة مالي ؟
وكنت أقول للسائل : والله، لم علم ابن عمك أنك تعطيه من مال الزكاة ما قبله منك ؛ لأن للقريب حقا، سواء أكنت غنيا تملك نصاب الزكاة، أو لم تصل إلى حد النصاب.
إذن : لا تربط هؤلاء الثلاثة- القريب والمسكين وابن السبيل- بمسألة الزكاة، فلم حق حتى على الفقير الذي لا يملك نصابا، وعلى من ضيق عليه رزقه.
ومع هذا الحق الذي قرره الشرع للقريب نجد كثيرين يأكلون حقوق الأقارب، ويحتالون لحرمانهم منها، فمثلا بعض الناس لا ينجب ذكورا، فيكتب أملاكه للبنات ليحرم عمهم أو أبناء عمومتهم من الميراث، مع أن البنت لها نصف التركة، وإن كن أكثر من واحدة فلهن الثلثان، ويوزع الثلث على العم أو ابن العم ؛ ذلك لأن البنات في هذه الحالة ليس لهن ذكر عصبة، فيجعلها الشرع في العم أو ابن العم.
والشارع الحكيم يوازن بين الأطراف، فيأخذ منك ويعطيك، فلماذا في حالة موت الوالد عن هؤلاء البنات، وليس لهن ميراث يعدن على العم أو ابن العم بالنفقة ويقاضونه في المحاكم، فلماذا نحرمهم حقوقهم ونطالب نحن بحقوقنا، فهذا نوع من التغفيل.
لماذا لا نعطي العم أو ابن العم وهو الذي سيحمي البنات ويسهر على راحتهن، ويقف بجوارهن حال شدتهن ؟
إياك- إذن- أن تدخل الأقارب في الزكاة أو تربط مساعدتهم بالقدرة ؛ لأن لهم عليك حقا حال رخائك وحال شدتك.
ويكفي أن الحق سبحانه خصهم بقوله ذا القربى... ٣٨ ( الروم ) ولم يقل : ذا المسكنة، أو ذا السبيل، وكلمة( ذو ) بمعنى صاحب، تدل على المصاحبة الدائمة والملازمة، فلا نقول : فلان ذو علم لمن علم قضية أو قضيتين، إنما لمن اتصف بالعلم الواسع وتمكن منه، كذلك لا نقول فلان ذو خلق إلا إذا كان الخلق صفة ملازمة له لا تنفك عنه.
ومن ذلك نقول : ذو القربى يعني ملاصقا لك لا ينفك عنك، فيجب أن تراعي حقه عليك، فتجعل له نصيبا، حتى إن لم تكن تملك نصابا، وكذلك للمسكين وابن السبيل ؛ لأن الله ذكرهم معا في غير بند الزكاة، فدل ذلك على أن لهم حقا غير الزكاة الواجبة.
ونلحظ أن القرآن رتبهم حسب الأهمية والحاجة، فأولهم القريب لقرابته الثابتة منك، ثم المسكين وهو متوطن معروف لك، ثم ابن السبيل العابر الذي تراه يوما ولا تراه بعد ذلك، فهو حسب موضعه من الحال.
والمسكين قد يتغير حاله، ويتيسر له الرزق فيوسع الله عليك، وابن السبيل يعود إلى بلده، فالوصف الثابت لذي القربى ؛ لذلك وصفه الله تعالى بما يدل على الثبات.
ثم قال حقه... ٣٨ ( الروم ) فالحق ملازم له وهو أولى به، لذلك لم يقل مثلا : وآت ذا القربى حقه، والمسكين، وابن السبيل حقوقهم.
وقد مثلوا لذلك بقولهم : قال الأمير : يدخل على فلان، وفلان، وفلان، فالإذن بالدخول للأول يتبعه في ذلك الباقون.
إذن : لهؤلاء الثلاثة خصوصية، فقد أمرك الله أن تعطيهم لحمك، وألا تربطهم بالزكاة ولا يبسط الرزق، أما باقي السبعة المستحقون للزكاة فلم يلزمك نحوهم بشيء غير الزكاة المفروضة.
ولما حدث نقاش بين العلماء حول المراد بالمسكين والفقير، أيهما أحوج من الآخر ؟ قالوا : المسكين من له مال، ولكن لا يكفيه٢، واستشهد أبو حنيفة على هذا المعنى بقوله تعالى : أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر... ٧٩ ( الكهف ) فأثبت لهم ملكية وسماهم مساكين. أما الفقير فهو الذي لا شيء له، وعلى هذا فالفقير أحوج من المسكين، فيدخل في هذه الآية من باب أولى.
وقوله تعالى : ذلك... ٣٨ ( الروم ) أي : الإيفاء لهؤلاء خير... ٣٨ ( الروم ) كلمة خير تطلق في اللغة، ويراد بها أحد معنيين : مرة نقول خير ويقابلها شر كما في قوله تعالى : فمن يعمل مقال ذرة خيرا يره٧ ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره٨ ( الزلزلة )، ومرة نقول : خير ونقصد الأخير كالأحسن أي : أفعل تفضيل، كما جاء في قول الشاعر :
زيد خيار الناس وابن الأخير
لكن الشائع أن تستعمل خير في أفعل التفضيل كقول النبي صلى الله عليه وسلم : " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير " ٣ فخير الأولى بمعنى أخير. لكن لمن ؟
للذين يريدون وجه الله... ٣٨ ( الروم ) أي : في الوفاء بحق ذي القربى والمسكين وابن السبيل، يريد بذلك وجه الله، لا يريد رياء ولا سمعة، لأن الذي يفعل خيرا يأخذ أجره ممن فعل من أجله، فمن عمل لله مخلصا فأجره على الله، ومن عمل للناس رياء وسمعة فليأخذ أجره منهم.
وهؤلاء اللذين وصفهم الله تعالى بقوله : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب٣٩ ( النور ) أي : فوجئ بوجود إله لم يكن في باله ولم يعمل من أجله.
فمعنى يريدون وجه الله... ٣٨ ( الروم ) أي : يقصدون بعملهم وجه الله، سواء رآه الناس، أو أخفى عمله، حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه ؛ لأن الأمر قائم على النية، فقد تعطى أمام الناس ونيتك أن يتأسوا بك، أو لتكف عنك ألسنتهم وقدحهم في حقك.
وحين تعطي علانية بنية خالصة لله فإنها صدقة مخصبة للعطاء، مخصبة للأجر ؛ لذلك ستكون أسوة لغيرك فيعطى، ويكون لك من الأجر مثله، لا من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
والقرآن الكريم عرض علينا هذه القضية في قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر... ٢٦٤ ( البقرة )
ثم يعطينا مثلا توضيحيا : فمثله كمثل صفوان٤ عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين٢٦٤ ( البقرة )
فمثل المرائي كهذا الحجر الناعم الأملس حين يصيبه المطر، وعليه طبقة من التراب يزيحها المطر، ويبقى هو صلدا ناعما لا يحتفظ بشيء، ولا ينبت عليه شيء.
وهذا المثل يجسد لنا خيبة سعي المرائي، وأنها مغفل، سعى واجتهد فانتفع الناس بسعيه، وتعدى خيره إلى غيره، وخرج هو خالي الوفاض من الخير ومن الثواب.
ثم يذكر الحق سبحانه المقابل : ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير ٢٦٥ ( البقرة )
فالصدقة ابتغاء وجه الله كالأرض الخصبة حين ينزل عليها المطر، فيأتي نباتها مضاعفا مباركا فيه، فإن لم يكن مطر كفاها الطل لتنبت وتؤتي ثمارها، ولو قال : كمثل جنة لكانت كافية لكنها جنة بربوة... ٢٦٥ ( البقرة ) يعني : على مكان مرتفع ليدل على خصوبتها، فكلما كانت الأرض مرتفعة زادت خصوبتها، وخلت من المياه الجوفية التي تؤثر على النبات.
وهذه الجنة تروى بالمطر يأتيها من أعلى، فيغسل الأوراق والغصون، فتزيد نضارتها وجودتها، والأوراق هي رئة النبات.
والله تعالى يترك لآثار الذات في الناس تذكرة وعبرة، فواحد يفعل الخير بآخر ليشتريه به، أو ليخضع عنقه بهذا الجميل، فتكون النتيجة الطبيعية أن ينكر الآخر جميله، بل ويكرهه ويحقد عليه، وهذا جزاء وفاق لمن عمل العمل لغير وجه الله.
وهو معنى قولهم : اتق شر من أحسنت إليه، لماذا ؟ لأنه حين يراك يتذكر ما لك من يد عليه، وما لك من فضل، فيخزى ويشعر بالذلة ؛ لأن وجودك يدك كبرياءه ؛ لذلك يكره وجودك، ويكره أن يراك.
فالحق سبحانه يقول : احذروا أن تبطلوا المعروف بالرياء، أو بالأغراض الدنية ؛ لأن معروفك هذا سينكر، وسينقل ما قدمت، من خير شرا عليك. إذن : عليكم بالنظر في أعمالكم إلى وجه الله لا إلى غيره، فإن حدث وأنكر جميلك فجزاؤك محفوظ عند الله، وكأن ربك – عز وجل- يغار عليك، ويريد أن يحفظ لك الجميل، ويدخره عنده.
وهذا المعنى عبر عنه الشاعر بقوله٥ :
أقول لأصحاب المروءات قولة تريحهم إن أحسنوا وتفضلوا
يسير ذوو الحاجات خلفك خضعا فإن أدركوها خلفوك وهرولوا
فلا تدع المعروف مهما تنكروا فإن ثواب الله أربى وأجزل
وسبق أن ذكرت قصة الرجل الذي قابلنا في الطريق ونحن في الجزائر، فأشار لنا لنوصله في طريقنا، فتوقف صاحب السيارة وفتح له الباب، لكنه قبل أن يركب قال( على كام ) ؟. يعني : ثمن توصيله. فقال صاحب السيارة : لله. فقال الرجل ( غلتها يا شيخ ).
لذلك يقول بعض العارفين : إن الذين يريدون بأعمالهم وجه الله هم الذين يغلون أعمالهم، أي : يرفعون قيمتها، ويضاعفون ثوابها.
وقوله تعالى : فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل... ٣٨ ( الروم ) بعد قوله : ويقدر... ٣٧ ( الروم ) يدل في ظاهره على أنه يأخذ منك مع أنك مقل، وهذا يدخل في إطار قوله تعالى : ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة... ٩ ( الحشر )
وقلنا إن الشارع حكيم، فإذا ألزمك وأخذ منك فإنما ذلك ليعطيك إن احتجت، وكأنه يقول لك : اطمئن فقد أمنت لك حياتك، إن أصابك الفقر، أو كنت في يوم من الأيام مسكينا أو ابن سبيل، فكما فعلت سيفعل بك.
وهذه المسألة واضحة في كفالة اليتيم، فلو أن المجتمع الإيماني عوضه عن أبيه عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة " ٦ لاطمأن كل أب على أولاده إن مات وتركهم ؛ لأنهم في مجتمع يعوضهم عن أبيهم بآباء كثيرين.
والإنسان إن كان آمنا منعما، فإنما ينغص هذه النعمة أنها عرضة لأن تزول، فيريد الله أن يؤمن لعبده الحياة الكريمة في امتداده من بعده، وهذا هو التأمين الحق الذي أرسله الله قضية تأمينية في الكون، ليست في شركات التأمين، إنما في يده سبحانه حيث قال :
وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا٩ ( النساء ) فإذا اتقوا الله وقالوا القول السديد، فإن يتيمهم يصادف أناسا يكفلونه، ويخافون عليه، ويتولون أمره.
وسبق أن تعرضنا في سورة الكهف لقصة الجدار الذي تبرع الخضر- عليه السلام- ببنائه مع أنه في قرية أهلها لئام٧ منعوهم حتى الطعام. وقلنا : إن سؤال الطعام هو أصدق سؤال، ولا يرد سائله

١ الغارمون: جمع غارم. والغارم: من لزمه دين بحق وبغير حق. والمغرم: الغرامة والدين الثقيل.(القاموس القويم ٢/٥٢)..
٢ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس، فترك اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان. قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا" أخرجه البخاري في صحيحه (٤٥٣٩) وكذا مسلم في صحيحه(١٠٣٩) كتاب الزكاة، واللفظ لمسلم..
٣ أخرجه أحمد في مسنده (٢/٣٦٦-٣٧٠)، ومسلم في صحيحه (٢٦٦٤)، وابن ماجه في سننه (٧٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٤ الصفوان: الحجر الصلد الضخم الذي لا ينبت شيئا. (لسان العرب –مادة: صفا) والصلد: الأملس الذي لا يصلح للزرع. والوابل: المطر الغزير. (القاموس القويم للقرآن الكريم)..
٥ من شعر الشيخ رحمه الله..
٦ أخرجه البخاري في صحيحه(٦٠٠٥)من حديث سهل بن سعد، وأخرجه مسلم في صحيحه(٢٩٨٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وتمام الحديث: "وقال بإصبعيه السبابة والوسطى " ومعنى السبابة: لأنها يسب بها الشيطان حينئذ. وفي رواية "السباحة" لأنها يسبح بها في الصلاة فيشار بها في التشهد لذلك. قاله ابن حجر العسقلاني في فتح الباري(١٠/٤٣٦)..
٧ اللئام: جمع لئيم، وهو الدنيء الأصل الشحيح النفس. (لسان العرب-مادة: لأم)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير