ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼ

ثم يقول الحق سبحانه :
الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون٤٠
سبق أن قلنا : إن قضية الخلق مسلم بها ؛ لأنها قضية لم يدعها أحد لنفسه مع كثرة المتبجحين بالكفر والإلحاد ؛ لذلك لما ادعاها النمروذ الذي حاج إبراهيم في ربه فقال : أنا أحيى وأميت، فعلم إبراهيم عليه السلام أنه يريد اللجاج والسفسطة التي لا طائل منها، وإلا فكيف يكون الأمر بقتل واحد إماتة، والأمر بترك الآخر والعفو عنه إحياء ؟
ثم ما بال الذين خلقوا قبلك وميلادهم قبل ميلادك ؟ إذن : أنت لم تخلق ولم تحى أحدا، وسبق أن بينا الفرق بين القتل والموت مع أنهما يشتركان في إنهاء الحياة وإزهاق الروح، لكن الموت يكون بإزهاق الروح أولا، يتبعه نقض البنية وتحطم الجسم.
أما القتل فينقض البنية أولا نقضا يترتب عليه إزهاق الروح فالروح لا تقيم إلا في بنية سليمة، ومثلنا لذلك بلمبة الكهرباء حين تحرق فينطفئ نورها، فهل يعني ذلك أن التيار انقطع عنها ؟ لا بل هو موجود لكنه يحتاج لبنية سليمة بدليل أننا إذا استبدلنا اللمبة تضيء.
والحق- سبحانه وتعالى- يبين لنا هذا الفرق في قوله سبحانه : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم... ١٤٤ ( آل عمران ) إذن : فالنمروذ لا يحيى، بل يبقى على الحياة، ولا يميت بل يقتل ويزهق الروح.
وكان بمقدور إبراهيم عليه السلام أن يرد عليه هذه الحجة، وأن يكشف تزييفه، لكنه أراد أن يأخذه إلى ميدان آخر لا يستطيع التلفيق فيه ولا التمحك، فقال له : فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر... ٢٥٨ ( البقرة )
كذلك مسألة الرزق فهي مسلمة لله لم يدعها أحد : الله الذي خلقكم ثم رزقكم... ٤٠ ( الروم )
بدليل أن الله تعالى جعل بعض المناطق جدباء، يجوع فيها القادر والعاجز، ويجوع فيها ذو المال وغير ذي المال، ولو كان هناك رازق غير الله فليحي هذه المناطق الجدباء.
وقوله تعالى : ثم يميتكم ثم يحييكم... ٤٠ ( الروم ) ولم يقل : يقتلكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء... ٤٠ ( الروم )أي : اسألهم هذا السؤال، ودعهم يجيبون هم عليه : أتستطيع الأصنام التي تشركونها مع الله أن تفعل شيئا من الخلق أو الرزق أو الإحياء أو الإماتة ؟
أفي قدرتها شيء من ذلك وأنتم الذين تصنعونها وتنحتون حجارتها بأيديكم، وتصورونها كما تشاؤون، فإذا هبت عاصفة أطاحت بها وربما كسرت ذراع أحد الأصنام فتجتمعون لإقامتها وإصلاحها ؟ فأين عقولكم ؟ وها هذه الخيبة التي أصابتكم ؟
لذلك يقول سبحانه عنهم : والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون٢٠ ( النحل )
ويقول سبحانه : إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له.... ٧٣ ( الحج ) بل وأكثر من ذلك إن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب٧٣ ( الحج )
بالله، أيستطيع أحد أن يسترد ما أخذته منه الذبابة ؟
ونلحظ في الآية تكرار( من ) وهي للتبعيض : هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء... ٤٠ ( الروم ) والمعنى : لا يستطيع أحد من شركائكم أن يفعل شيئا ولو هينا من الخلق، أو الرزق، أو الإحياء، أو الإماتة.
لذلك يجب أن تعلقوا على هذه القضايا من الله بقول واحد سبحانه وتعالى عما يشركون٤٠ ( الروم ) لا تعليق إلا هذا.
لذلك لما تكلم سيدنا إبراهيم عن الأصنام قال : فإنهم عدو... ٧٧ ( الشعراء ) أي : أنتم وما تعبدون من دون الله ؛ لأنهم كانوا يشركون آلهتهم مع الله، فالله سبحانه داخل في هذه الشركة ؛ لذلك استثناه ربه إلا رب العالمين ٧٧ الذي خلقني فهو يهدين٧٨ ( الشعراء )
وتلحظ هنا في قوله الذي خلقني... ٧٨ ( الشعراء ) أنه لم يؤكدها بشيء، ولم يذكر قبل الخلق الضمير( هو ) ؛ لأن مسألة الخلق كما قلنا لم يدعها أحد، أما في الهداية وهي مجال ادعاء، فقال ( فهو ) أي : الحق سبحانه يقصر الهداية على الله فهو يهدين٧٨ ( الشعراء )
وفي هذا إشارة إلى أن القانون الذي ينظم حياتي والمنهج الذي يهديني قانون ربي لا آخذه من أحد سواه، وكثيرا ما نرى من يدعى الهداية ويقول : إنني وضعت قانونا يسعد حياة الناس، ويفعل كذا وكذا، سمعنا هذه النغمة مرة من الرأسمالية، ومرة من الاشتراكية ومن الشيوعية... الخ.
إذن : هذا مجال ادعاء واسع، فقيده إبراهيم – عليه السلام- وقصره على الله، حيث لا منهج إلا منهج الله، ولا قانون يحكمنا إلا قانون ربنا، كما نقول في العامية ( مفيش إلا هو )
كذلك في مسألة الإطعام قال : والذي هو يطعمني... ٧٩ ( الشعراء ) فاستخدم القصر هنا بذكر الاسم الموصول( الذي ) ثم الضمير المفرد الغائب( هو ) ؛ ليؤكد أن الذي يطعمه إنما هو الله ؛ لأن الإنسان قد يظن أن أباه هو الذي يطعمه، أو أن أمه هي التي تطعمه ؛ لأنها تعد له طعامه، فهما السببان الظاهران في هذه المسألة، فاحتاج الأمر إلى أكثر من مؤكد.
ثم يقول عليه السلام : والذي يميتني ثم يحيين٨١ ( الشعراء ) هكذا دون توكيد ؛ لأن الموت والحياة مسألتان مسلمتان لله مفروغ منهما، وكذلك : الذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين٨٢ ( الشعراء ) وهذه أيضا لا تكون إلا لله تعالى.
إذن : ما كان للغير فيه شبهة عمل يؤكدها ويخصها لله تعالى، أما الأخرى التي لا دخل لغير الله فيها فيسوقها مطلقة دون اختصاص.
فالتعليق في هذا الأمر العجيب لا يكون إلا بقولنا : سبحانه وتعالى عما يشركون٤٠ ( الروم ) أي : تنزيها له عن الشركة. وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا أن الله تعالى قال : لا إله إلا أنا، ولم يقم لهذه القضية منازع، ولم يدعها أحد لنفسه.
إذن : فهي مسلم بها، وإلا فإن كان هناك إله آخر فأين هو ؟ ولماذا لم يدافع عن حقه في الألوهية ؟ إن كان لا يدري فهو غافل، وإن كان يدري ولم يعارض فهو جبان، وفي كلتا الحالتين لا يصلح أن يكون إلها.
لذلك ربنا حكمها بقضية واحدة، فقال : قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا٤٢ ( الإسراء )

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير