قوله : يا بني إِنَّهَا هذا الضمير يرجع إلى الخطيئة، وذلك أن ابنَ لقمان قال لأبيه : يا أبت إنْ عملت الخطيئةَ حيث لا يراني أحد كيف يعلمها ( الله١ ) ؟ فقال : يا بني إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ . قوله :«إِنْ تَكُ » الضمير ضمير القصة، والجملة الشرطية مفسرة ( للضمير٢ )، وتقدم أن نافعاً يقرأ مِثْقَال٣ بالرفع على أن كَانَ تامة٤ وهو فاعلها وعلى هذا فيقال : لم ألحقت فله تاء التأنيث ؟ قيل : لإضافته إلى مؤنث ؛ ولأنه بمعنى «زِنَةُ حَبَّةٍ »٥، وجوز الزمخشري في ضمير «إِنَّهَا » أن تكون للحبة من٦ السيئات والإحسان في قراءة من نصب «مِثْقَال ». وقيل : الضمير يعود على ما يفهم من٧ سياق الكلام أي إنَّ التي سألتَ عنها ( إنْ تَكُ٨ )، قال المفسرون : إنه سأل أباه أرأيت الحَبَّةَ تقع في٩ مغاص البحر يعلمها الله ؟.
قوله :«فتكن » الفاء لإفادة الاجتماع يعني إن كانت صغيرة ومع صغرها تكون خفيةً في موضع حريز١٠ كالصَّخْرَةِ لا تخفى على الله لأن الفاء للاتصال بالتعقيب وقرأ عبد الكريم الجَحْدَريُّ١١ «فَتكِنَّ » بكسر١٢ الكاف، وتشديد النون مفتوحة أي فتستقر.
وقرأ مُحَمَّدُ بْنُ أبي مُحَمَّد١٣ البَعْلَبَكِّيِّ : فَتُكَنَّ، إِلا أنه مبنيٌّ للمجهول١٤، وقتادة «فَتَكِنْ » بكسر الكاف وتخفيف النون مضارع «وَكَنَ »١٥ أي استقر في وَكْنِهِ ووَكْرِهِ.
فصل :
الصخرة لا بد وأن تكون في السموات أو في الأرض فما الفائدة من ذكرها ؟ قال بعض المفسرين المراد بالصخرة صخرة عليها الثَّوْرُ وهي لا في الأرض١٦ ولا في السماء، ( وقال١٧ الزمخشري : فيه إضمار تقديره إن تَكُنْ في صخرةٍ أو في موضع آخَرَ في السموات أو في الأرض ). وقيل : هذا من تقديم الخاصّ وتأخر العام، وهو جائز في مثل هذا التقسيم١٨، وقيل : خفاء الشيء يكون بطرق منها أن يكون في غاية الصِّغَرِ، ومنها أن يكون بعيداً، ومنها أن يكون في ظلمة ومنها أن يكون وراء حجاب فإن بيّن أحد هذه الأمور فلا يخفى في العادة فأثبت الله الرؤية والعلم مع انتفاء الشرائط فقوله : إنْ تَكُ مثقال حبة من خردل إشارة إلى الصغر، وقوله : فتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ إشارة ( إلى الحِجَاب، وقوله :«فِي السَّمَوَاتِ » إشارة١٩ إلى البُعد، فإنها أبعدُ الأبعاد، وقوله : أَوْ فِي الأَرْضِ إشارة ) إلى الظلمة فإن جوْف الأرض أظلمُ الأماكن، وقوله : يأت بها الله أبلغ من قول القائل : يعلمه الله لأن من يظهر له شيء ( ولا يقدر٢٠ على إظهاره لغيره يكون حاله في العلم دونَ حال من يَظْهَرُ له الشيء ) ويُظْهِرُهُ لغيره فقوله : يَأْتِ بِهَا الله أي يظهرها ( للإشهار٢١ ) إِنَّ الله لَطِيفٌ نافذ القدرة، «خَبِيرٌ » عالم ببواطن الأمور، روي في بعض الكتب أن هذه آخر كلمة تكلم بها لقمانُ فانشقتْ مرارتُه من هَيْبَتِهَا فمات، قال الحسن : معنى الآية هو٢٢ الإحاطة بالأشياء صغيرها وكبيرها.
٢ ساقط من "ب"..
٣ تقدمت كلمة: "مثقال" في السور النساء ويونس، والأنبياء، ولكنه يقصد آية الأنبياء وهي قول الله- عز وجل-: "وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين". وهي الآية ٤٧ من السورة هذه.
انظر: اللباب ٦/٣٢١. حيث أوضح هناك أن نافعاً يقرأ بالرفع كما ذكر أعلى..
٤ كان التامة هي التي لا تحتاج إلى اسم وخبر بل تحتاج إلى فاعل فقط كأي فعل متعدٍّ كهذه التي معنا، وكقول الله تعالى: "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة"..
٥ ذكره أبو حيان في بحره ٧/١٨٧..
٦ انظر: كشافه ٣/٢٣٣ قال: "فمن نصب كان الضمير للهنة من الإساءة والإحسان أي: إن كانت مثلاً في الصغر والقماءة كحبة الخردل فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة"..
٧ وهو ما يسمى بضمير القصة والبصريون يجيزون ذلك في المؤنث والمذكر على حدّ، بينما لم يجزه الكوفيون في المذكر. القرطبي ١٤/٦٧..
٨ ساقط من "ب"..
٩ نقله الكشاف ٣/٢٣٣..
١٠ في "ب" جلد..
١١ لم أقف عليه..
١٢ انظر: مختصر ابن خالويه في شواذ القراءات ١١٧..
١٣ هو محمد بن هاشم بن سعيد البعلبكي روى عنه أحمد بن عمير الدمشقي وغيره. انظر: اللباب في تهذيب الأسماء لابن الأثير ١/١٦١ و ١٦٢..
١٤ المرجع السابق..
١٥ السابق والمحتسب ٢/١٦٨ وانظر في هذه القراءات الشاذة أيضاً البحر ٧/١٨٧ والقرطبي ١٤/٦٧ والكشاف ٣/٢٣٣..
١٦ انظر: تفسير الفخر الرازي ٢٥/١٤٨..
١٧ ما بين القوسين ساقط من "ب"..
١٨ في "ب" التفسير..
١٩ ساقط من "ب"..
٢٠ ما بين القوسين أيضاً ساقط من "ب"..
٢١ ساقط من "ب"..
٢٢ في "ب" هي..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود