يَا بُنَيَّ... ( ١٦ ) [ لقمان ] نداء أيضا للتطلف والترقيق إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ.. ( ١٦ ) [ لقمان ] يريد لقمان أن يدل ولده على صفة من صفات الحق سبحانه، هي صفة العلم المطلق الذي لا تخفى عليه خافية،
وكأنه يقول له : إياك أن تظن أن ما يخفى على الناس يخفى على الله تعالى ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ( ١٤ ) [ الملك ].
وكما أن الله تعالى لا يخفى عليه مثقال حبة من خردل، حتى إن كانت في باطن صخرة، أو في السموات، أو في الأرض، كذلك لا تخفى عليه حسنة ولا سيئة مهما دقّت، ومهما حاول صاحبها إخفاءها.
وقلنا : إن المستشرقين وقفوا عند مسألة علم الله الخفي بخفايا خلقه، وعند قوله تعالى : يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون ( ١١٠ ) [ الأنبياء ] يقولون : الله يمتنّ بعلم ما نكتم، فكيف يمتن بعلم الجهر، وهو معلوم للجميع ؟
ونقول : الحق سبحانه في قوله : إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون ( ١١٠ ) [ الأنبياء ] لا يخاطب فردا، إنما يخاطب جماعة، فهو يعلم جهر الجماعة في وقت واحد، ومثّلنا لذلك بمظاهرة مثلا، فيها الآلاف من البشر يهتفون بأصوات مختلفة وشعارات شتى، منها ما يعاقب عليه القانون، فهل تستطيع مع اختلاط الأصوات وتداخلها أن تميّز بينها، وترجع كل كلمة إلى صاحبها ؟
إنك لا تستطيع، مع أن هذا جهر يسمعه الجميع، أما الحق تبارك وتعالى فيعلم كل كلمة، ويعلم من نطق بها ويردّ كل لفظ إلى صاحبه. إذن : من حقه تعالى أن يمتنّ بعلم الجهر، بل إن علم الجهر أعظم من علم السرّ وأبلغ.
وقوله تعالى مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ.. ( ١٦ ) [ لقمان ] أي : وزن حبة الخردل، وكانت أصغر شيء وقتها، فجعلوها وحدة قياس للقلة، وليس لك الآن أن تقول : وهل حبة الخردل أصغر شيء في الوجود ؟ فالقرآن ذكرها مثالا للصغر على قدر معرفة الناس بالأشياء عند نزوله، أما من حيث التحقيق فقد ذكر القرآن الذرة والأقل منها.
لذلك لما اخترعوا في ألمانيا أسطوانة تحطيم الجوهر الفرد ( أي الجزء الذي لا يتجزأ )، واستطاعوا تفتيت الذرة، ظنوا أن في هذه العملية مأخذا على القرآن، فقد ذكر القرآن الذرة، وجعلها مقياسا دينيا في قوله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ( ٧ ) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ( ٨ ) [ الزلزلة ] لكن لم يذكر الأقل منها، ومعلوم أن الجزء أصغر من كله.
ونقول : قرأتم شيئا وغابت عنكم أشياء، ولو كان لديكم إلمام بكلام الله لعلمتم أن فيه احتياطا لما توصلتم إليه، ولما ستتوصلون إليه فيما بعد، واقرأوا إن شئتم قول الله تعالى عن الذرة : ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ( ٦١ ) [ يونس ].
بل نقول : إن الاحتياط هنا احتياط مركب، فلم يقل صغير إنما قال ( أصغر ) وهذا يدل على وجود رصيد في كلام الله لكل مفتت من الذرة.
وقوله : فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ.. ( ١٦ ) [ لقمان ] فِي صَخْرَةٍ.. ( ١٦ ) [ لقمان ] أي : على حبكة الوجود، وفي أضيق مكان أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ.. ( ١٦ ) [ لقمان ] يعني : في المتسع الذي لا حدود له، فلا في الضيق المحكم، ولا في المتسع يخفى على الله شيء يَأْتِ بِهَا اللَّهُ.. ( ١٦ ) [ لقمان ] واستصحب حيثيات الإتيان بها بوصفين لله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( ١٦ ) [ لقمان ].
وجمع بين هاتين الصفتين ؛ لأنك قد تكون خبيرا بالشيء عالما بمكانه، لكنك لا تستطيع الوصول إليه، كأن يكون في مكان ضيق لا تنفذ إليه يدك، وعندها تستعين بآلة دقيقة كالملقاط مثلا، فالخبرة موجودة، لكن ينقصك اللطف في الدخول.
والحق سبحانه وتعالى لطيف، فمهما صغرت الأشياء ودقت يصل إليها، فهو إذن عليم خبير بكل شيء مهما صغر، قادر على الإتيان به مهما دقّ ؛ لأنه لطيف لا يمنعه مانع، فصفة اللطف هذه للتغلغل في الأشياء.
ونحن نعلم أن الشيء كلما دقّ ولطف كان أعنف حتى في المخلوقات الضارة، وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بمن بنى بيتا في الخلاء، وأراد أن يؤمن نوافذه من الحيوانات والحشرات الضارة، فوضع على النوافذ شبكة من الحديد تمنع اللصوص والحيوانات الكبيرة، ثم تذكّر الفئران والثعابين فضيّق الحديد، ثم تذكّر الذباب والناموس فاحتاج إلى شيء أضيق وأدقّ، إذن : كلما كان عدوك لطيفا دقيقا كان أعنف، واحتاج إلى احتياط أكثر.
فقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( ١٦ ) [ لقمان ] يعني : لا يعوزه علم بالمكان، ولا سهولة ويسر في الوصول إلى الأشياء.
كانت هذه بعض وصايا لقمان ومواعظه لولده، ولم يأمره حتى الآن بشيء من التكاليف، إنما حرص أن ينبهه : أنك قد آمنت بالله وبلغك منهجه واستمعت إليه، فأطع ذلك المنهج في افعل ولا تفعل، لكن قبل أن تباشر منهج ربك في سلوكك اعلم أنك تتعامل مع إله قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يغيب عنه شيء، فادخل على المنهج بهذا الاعتقاد.
وإياك أن تتغلب عليك شبهة أنك لا ترى الله، فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك، واعلم أن عملك محسوب عليك، وإن كان في صخرة صماء ضيقة، أو في سماء، أو في أرض شاسعة.
ويؤكد هذه المسألة قوله تعالى في الحديث القدسي : " يا عبادي إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم، فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم ؟ ".
تفسير الشعراوي
الشعراوي