ثم يقول الحق سبحانه : خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيز ُالْحَكِيمُ ( ٩ )
حين نتأمل هذه الآيات نلمس رحمة الله بعباده حتى الكافر منهم الذي ضل وأضل، ومع ذلك فالله رحيم به حتى في تناول عذابهم، ألا ترى أن الله تعالى قال في عذابهم أنه مهين، وأنه أليم، لكن لم يذكر معه خلودا كما ذكر هنا الخلود لنعيم الجنات، كما أن العذاب جاء بصيغة المفرد، أما الجنة فجاءت بصيغة الجمع، ثم أخبر عنها أنها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا( ٩ ) لقمان
والوعد يستخدم دائما لعدة بخير يأتيك، وقلنا : إن العبد يعد، وقد لا يفي بوعده، لأنه لا يملك كل مقومات الوفاء. أما الوعد إن كان من الله فهو محقق لأنه سبحانه يملك كل أسباب الوفاء، ولا يمنعه أحد عن تحقيق ما أراد، لأنه سبحانه ليس له شريك، كالرجل الذي أراد أن يذم آخر فقال له : الدليل على أن الله ليس له شريك أنه خلقك، فلو كان له شريك لقال له : لا داعي لأن تخلق هذا.
لذلك يعلمنا الحق سبحانه وتعالى أن نردف وعدنا بقولنا : إن شاء الله حتى نكون منصفين لأنفسنا من الناس، ولا نتهم بالكذب إذا لم نف، وعندها لي أن أقول : أردت ولكن الله لم يرد، فجعلت المسألة في ساحة ربك عز وجل.
وبهذه المشيئة رحم الله الناس من ألسنة الناس، فإذا كلفتني بشيء فلم أقضه لك فاعلم أن له قدرا عند الله لم يأت وقته بعد، واعلم أن الأمر لا يقضي في الأرض حتى يقضى في السماء، فلا تغضب ولا تتحامل على الناس، فالأمور ليست بإرادة الناس، وإنما بإرادة الله.
لذلك حين تتوسط لأخيك في قضاء مصلحة وتقضى على يديك، المؤمن الحق الذي يؤمن بقدر الله يتأدب مع الله فيقول : قضيت معي لا بي، يعني : شاء الله أن يقضيها فأكرمني أن أتكلم فيها وقت مشيئته تعالى، كذلك يقول الطبيب المؤمن : جاء الشفاء عندي لا بى.
ولو فهم الناس معنى قدر الله لاستراحوا، فحين ترى المجد العامل يقصى ويبعد، وحين ترى الخامل والمنافق يقرب ويعتلى أرفع المناصب فلا تغضب، وإذا لم تحترمه لذاته فاحترم قدر الله فيه.
فالمسائل لا تجري في كون الله بحركة ( ميكانيكية )، إنما بقدر الله الذي يرفع من يشاء ويضع من يشاء، وله سبحانه الحكمة البالغة في هذه وتلك، وإلا لقلنا كما يقول الفلاسفة : إن الله تعالى خلق القضايا الكونية ثم تركها للناس يسيرونها.
والحق سبحانه ما ترك هذه القضايا، بدليل قوله تعالى : يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ( ٤٩ ) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا ( ٥٠ ) [ الشورى ].
فبعد هذه الآية لا يقل أحد : إن فلانا لا ينجب أو فلانة لا تنجب، لأن هذه مرادات عليا لله تعالى، ولو أن العقيم احترم قدر الله في العقم لجعل الله كل من يراهم من الأولاد أولاده، وما دام الله تعالى قال يهب ( ٤٩ ) [ الشورى ] فالمسألة في كل حالاتها هبة من الله تعالى لا دخل لأحد في الذكورة أو الأنوثة أو العقم. فلماذا إذن قبلت هبة الله في الذكور، ولم تقبل هبة الله في العقم ؟
وسبق أن تحدثنا عن وأد البنات قبل الإسلام، لأن البنت كانت لا تركب الخيل، ولا تدافع عن قومها، ولا تحمل السلاح.. الخ، فلما جاء الإسلام حرم ذلك وكرّم المرأة، وأعلى من شأنها، لكن ما زالت المفاضلة قائمة بين الولد والبنت.
والآن احتدم صراع مفتعل بين أنصار الرجل وأنصار المرأة، والإسلام بريء من هذا الصراع ؛ لأن الرجل والمرأة في الإسلام متكاملان لا متضادان، وعجيب أن نرى من النساء من تتعصب ضد الرجال وهي تجن إن لم تنجب الولد، وهذه شهادة منهن بأفضليته.
وكأن الحق تبارك وتعالى يعلمنا أن من يحترم قدره في إنجاب البنات يقول الله له : لقد احترمت قدري فسوف أعطيك على قدري، فيعطيه الله البنين، أو ييسر لبناته أزواجا يكونون أبرّ به من أولاده وأطوع.
ثم ألا ترى أن الله تعالى قدم البنات في الهبة، فقال : يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ( ٤٩ ) [ الشورى ]. لماذا ؟ لأنه سبحانه يعلم محبة الناس للذكور : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( ٥٨ ) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ٥٩ ( النحل )
وقوله تعالى : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( ٩ ) [ لقمان ] العزيز الذي لا يغلب، ولا يستشير أحدا فيما يفعل الْحَكِيمُ ( ٩ ) [ لقمان ] أي : حين يعد، وحين يفي بالوعد.
تفسير الشعراوي
الشعراوي