عذر له، وأما إذا كان المراد يوم النصرة كيوم بدر، فإنه لا ينفع إيمانه حال القتل، إذ هو إيمان يأس، كإيمان فرعون حين ألجمه الغرق، ولا يتوقف في قتله أصلًا.
والمعنى (١): أي قل لهم: إذا حل بكم بأس الله وسخطه في الدنيا وفي الآخرة.. لا ينفعكم إيمانكم الذي تحدثونه في هذا اليوم، ولا تؤخرون للتوبة والمراجعة.
والخلاصة: لا تستعجلوه ولا تستهزئوا، فكأني بكم، وقد حل ذلك اليوم، وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان، واستنظرتم حلول العذاب فلم تنظروا، والعدول عن تطبيق الجواب على ظاهر سؤالهم، للتنبيه على أنه ليس مما ينبغي أن يسأل عنه، لكونه أمرًا بينًا غنيًا عن الإخبار، وكذا إيمانهم واستنظارهم يومئذ، وإنما المحتاج إلى البيان، عدم نفع ذلك الإيمان، وعدم الإنظار.
٣٠ - ثم ختم السورة بأمر رسوله بالإعراض عنهم، وانتظار الفتح بينه وبينهم، فقال: فَأَعْرِضْ يا محمد عَنْهُمْ؛ أي: عن هؤلاء المشركين، ولا تبال بهم، وبلغ ما أنزل إليك من ربك وَانْتَظِرْ ما الله صانع بهم، فإنه سينجزك ما وعدك، وسينصرك على من خالفك، إنه لا يخلف الميعاد، إِنَّهُمْ؛ أي: إن هؤلاء المشركين مُنْتَظِرُونَ؛ أي: متربصون بك الدوائر، كما قال تعالى: أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون.
أي (٢): وانتظر النصرة عليهم وهلاكهم، لصدق وعدي، إنهم منتظرون الغلبة عليك، وحوادث الزمان بك، من موت أو قتل، فيستريحوا منك، أو إهلاكهم، كما في قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ الآية، ويقرب منه ما قيل: وانتظر عذابنا فإنهم منتظرون، فإن استعجالهم المذكور، وعكوفهم على ما هم عليه من الكفر والمعاصي، في حكم انتظارهم العذاب المترتب عليه لا محالة.
وسترى عاقبة صبرك عليهم، وعلى أداء رسالة ربك بنصرك وتأييدك،
(٢) روح البيان.
وسيجدون نحب ما ينتظرون فيك وفي أصحابك، من وبيل عقاب الله لهم، وحلول عذابه بهم، وقد أنجز الله وعده، فنصر عبده، وفتح للمؤمنين، وحصل أمانيهم أجمعين، والآية منسوخة بآية السيف، وقيل: غير منسوخة، إذ قد يقع الإعراض مع الأمر بالقتال.
وقرأ الجمهور (١): مُنْتَظِرُونَ بكسر الظاء على صيغة اسم الفاعل؛ أي: انتظر عذابهم إنهم منتظرون هلاكك، قال أبو حاتم: والصحيح: الكسر، وقرأ ابن السميقع واليماني: منتظرون بفتح الظاء على صيغة اسم المفعول، ورويت هذه القراءة عن مجاهد وابن محيصن، قال الفراء: لا يصح إلا بإضمار؛ أي: إنهم منتظريهم.
وفي "فتح الرحمن" قوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨).
إن قلت (٢): هذا سؤال عن وقت الفتح، وهو يوم القيامة، فكيف طابقه الجواب بقوله: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ؟
قلت: لما كان سؤالهم سؤال تكذيب واستهزاء بيوم القيامة، لا سؤال استفهام.. أجيبوا بالتهديد المطابق للتكذيب والاستهزاء، لا ببيان حقيقة الموقت، وإن فسر الفتح بفتح مكة، أو بيوم بدر.. كان المراد أن المتولين لم ينفعهم إيمانهم حال القتل، كإيمان فرعون، بخلاف الطلقاء الذين آمنوا بعد الأمر، فالجواب بذلك مطابق للسؤال من غير تأويل. انتهى.
الإعراب
أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩).
أَفَمَنْ الهمزة: فيه للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف،
(٢) فتح الرحمن.
و الفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أيتوهم كون المؤمن كالفاسق بعدما ثبت ما بينهما من التفاوت، فمن كان من: اسم موصول مبتدأ، كَانَ: فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على من، مُؤْمِنًا: خبرها، وجملة كان: صلة لـ من الموصولة، كَمَنْ: جار ومجرور خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: معطوفة على الجله المحذوفة، كَانَ فَاسِقًا: فعل ناقص واسمه المستتر وخبره صلة من الموصولة، لَا يَسْتَوُونَ: فعل مضارع مرفوع بالنون وفاعل، والجملة: مستأنفة لا محل لها من الإعراب، ومتعلقه محذوف؛ أي: لا يستوون في المآل. أَمَّا: حرف شرط وتفصيل، الَّذِينَ؛ مبدأ، آمَنُوا: فعل وفاعل صلة الموصول، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على آمَنُوا، فَلَهُمْ: الفاء: رابطة لجواب أَمَّا لهم؛ خبر مقدم جَنَّاتُ الْمَأْوَى: مبتدأ مؤخر والجملهّ وخبره في محل الرفع خبر للأول وجملة الأول مع خبره جواب أما لا محل لها من الإعراب، وجملة أَمَّا من فعل شرطها وجوابها: مستأنفة استئنافًا بيانيًا لا محل لها من الإعراب. نُزُلًا: حال من جَنَّاتُ الْمَأْوَى، بِمَا: الباء: حرف جر وسبب، ما: مصدرية أو موصولة، كَانُوا: فعل ناقص واسمه، وجملة يَعْمَلُونَ: خبره، وجملة كان صلة لـ ما المصدرية؛ أي: بسبب عملهم أو صلة لـ ما الموصولة، والعائد: محذوف؛ أي: سبب الذي كانوا يعملونه، الجار والمجرور صفة لـ نُزُلًا؛ أي: نزلًا كائنًا بسبب عملهم، أو بسبب العمل الذي يعملونه.
وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا.
وَأَمَّا الواو: عاطفة. أما: حرف شرط الَّذِينَ: مبتدأ أول، فَسَقُوا: فعل وفاعل صلة الموصول، فَمَأْوَاهُمُ: الفاء: رابطة لجواب أما، مأواهم: مبتدأ، النَّارُ: خبره، والجملة: في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، وجملة الأول: جواب أما، وجملة أما: معطوفة على جملة أما الأولى، كُلَّمَا: اسم شرط غير جازم في محل النصب على الظرفية متعلق بالجواب الآتي، أَرَادُوا: فعل وفاعل، والجملة: فعل شرط
لـ كُلَّمَا: في محل جر بالإضافة. أَنْ يَخْرُجُوا: ناصب وفاعل وفاعل في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ أَرَادُوا، مِنْهَا: متعلق بـ يَخْرُجُوا؛ أي: كلما اْرادوا الخروج منها، أُعِيدُوا: فعل ماض مغير الصيغة ونائب فاعل، فِيهَا متعلق به، والجملة الفعلية: جواب كُلَّمَا لا محل لها من الإعراب، وجملة كُلَّمَا: مستأنفة مسوقة لبيان كيفية مأواهم فيها.
وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ.
وَقِيلَ الواو: عاطفة، قيل: فعل ماض مغير الصيغة، لَهُمْ: متعلق بـ قيل، ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ: نائب فاعل لـ قيل محكي، لأن مرادنا لفظه، لا معناه. وهو مقول له أيضًا. وجملة قيل: معطوفة على جملة أُعِيدُوا، وإن شئت قلت: ذُوقُوا: فعل أمر وفاعل مبنى على حذف النون، عَذَابَ النَّارِ: مفعول به، وجملة ذُوقُوا: في محل الرفع نائب فاعل لـ قيل، الَّذِي صفة لـ عَذَابَ. كُنْتُمْ: فعل ناقص واسمه، بِهِ متعلق بـ تُكَذِّبُونَ، وجملة تُكَذِّبُونَ خبر كان، وجملة كان صلة الموصول.
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢).
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ: الواو: استئنافية، و اللام: موطئة للقسم، نذيقن: فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبنى على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله: ضمير المتكلمين يعود على الله، تقديره: نحن، و الهاء: مفعول به. مِنَ الْعَذَابِ: متعلق به، الْأَدْنَى صفة لـ الْعَذَابِ، والجملة الفعلية: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: مستأنفة، دُونَ: ظرف زمان بمعنى قبل متعلق بمحذوف حال مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى، الْعَذَابِ مضاف إليه، الْأَكْبَرِ: صفة له، لَعَلَّهُمْ: ناصب واسمه. وجملة يَرْجِعُونَ: خبره، وجملة لعل: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. وَمَنْ أَظْلَمُ: الواو: استئنافية، من: اسم استفهام للاستفهام
الإنكاري في محل الرفع مبتدأ، أَظْلَمُ: خبره، والجملة: مستأنفة، مِمَّنْ: جار ومجرور متعلق بـ أَظْلَمُ: ذُكِّرَ: فعل ماض مغير الصيغة ونائب فاعل مستتر، بِآيَاتِ رَبِّهِ: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ذُكِّرَ، والجملة الفعلية: صلة الموصول، ثُمَّ: حرف عطف وتراخ، أَعْرَضَ: فعل ماض وفاعل مستتر معطوف على ذُكِّرَ، عَنْهَا متعلق بـ أَعْرَضَ، إِنَّا: ناصب واسمه، مِنَ الْمُجْرِمِينَ متعلق بـ مُنْتَقِمُونَ، و مُنْتَقِمُونَ خبر إن، وجملة إن: مستأنفة.
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣).
وَلَقَدْ الواو: استئنافية، و اللام: موطئة للقسم، قد: حرف تحقيق، آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة مسوقة لتسليته - ﷺ -، فَلَا تَكُنْ: الفاء: عاطفة، لا: ناهية جازمة، تَكُنْ: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ لا الناهية، واسمها: ضمير يعود على محمد، فِي مِرْيَةٍ؛ جار ومجرور خبر تَكُنْ، مِنْ لِقَائِهِ: صفة لـ مِرْيَةٍ، وجملة لا تكن: معطوفة على جملة القسم، وَجَعَلْنَاهُ هُدًى: فعل وفاعل ومفعولان معطوف على آتَيْنَا، لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: متعلق بـ هُدًى، أو صفة له.
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ.
وَجَعَلْنَا: فعل وفاعل معطوف على جعلنا الأول. مِنْهُمْ: جار ومجرور في محل المفعول الثاني لـ جعلنا، أَئِمَّةً: مفعول أول لـ جعلنا، وجملة يَهْدُونَ صفة لـ أَئِمَّةً، بِأَمْرِنَا: حال من فاعل يَهْدُونَ. لَمَّا: ظرف بمعنى حين، متعلق بـ جعلنا؛ أي: جعلناهم أئمةً حين صبروا، صَبَرُوا: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ لما أو فعل شرط لها، وجوابها: محذوف، تقديره: لما صبروا جعلنا منهم أئمة،
وَكَانُوا: فعل ناقص واسمه، بِآيَاتِنَا: متعلقة بـ يُوقِنُونَ، وجملة يُوقِنُونَ خبر كان، وجملة كانوا: إما معطوفة على صَبَرُوا أو على جعلنا كما مر.
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥).
إِنَّ رَبَّكَ: ناصب واسمه، هُوَ: مبتدأ، وجملة يَفْصِلُ: خبره، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر إن، وجملة إنَّ: مستأنفة، بَيْنَهُمْ: ظرف متعلق بـ يَفْصِلُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظرف مضاف إليه متعلق بـ يَفْصِلُ فِيمَا: متعلق به أيضًا، كَانُوا: فعل ناقص واسمه، فِيهِ متعلق بـ يَخْتَلِفُونَ وجملة يَخْتَلِفُونَ خبر كان، وجملة كان: صلة لـ ما الموصولة، والعائد ضمير فيه.
أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦).
أَوَلَمْ الهمزة: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و الواو: عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أغفلوا ولم يهد لهم، والجملة المحذوفة: مستأنفة، لم: حرف جزم، يَهْدِ: فعل مضارع مجزوم بـ لم. وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهي الياء، وفاعله: محذوف دلت عليه كَمْ الخبرية، تقديره: ولم يهدِ لهم كثرة إهلاكنا القرون، والجملة الفعلية: معطوفة على تلك المحذوفة، لَهُمْ: متعلق بـ يَهْدِ، كَمْ: خبرية بمعنى عدد كثير، في محل النصب مفعول به مقدم لـ أَهْلَكْنَا، أَهْلَكْنَا: فعل وفاعل، مِنْ قَبْلِهِمْ حال مِنَ الْقُرُونِ أو متعلق بـ أَهْلَكْنَا، مِنَ الْقُرُونِ: حال من كَمْ لأنه في الأصل تمييز لَكُم دخلت عليه من البيانية، وجملة أَهْلَكْنَا: جملة أَهْلَكْنَا: جملة مفسرة لفاعل يَهْدِ لا محل لها من الإعراب، يَمْشُونَ: فعل وفاعل، فِي مَسَاكِنِهِمْ: متعلق به، والجملة: في محل النصب حال من ضمير لَهُمْ، أو مستأنفة مسوقة لبيان وجه
هدايتهم. إِنَّ: حرف نصب، في ذَلِكَ: خبرها مقدم، لَآيَاتٍ: اسمها مؤخر، و اللام: حرف ابتداء، وجملة إِنَّ مستأنفة، أَفَلَا: الهمزة: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و الفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أصموا فلا يسمعون، والجملة المحذوفة: مستأنفة، لا: نافية، يَسْمَعُونَ: فعل وفاعل معطوف على ذلك المحذوف.
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧).
أَوَلَمْ الهمزة: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و الواو: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أغفلوا ولم يروا، أو التقدير ألم يشاهدوا ولم يروا إلخ، والجملة المحذوفة: مستأنفة، لم: حرف جزم، يَرَوْا: فعل وفاعل مجزوم بـ لم، والجملة: معطوفة على تلك المحذوفة، أَنَّا: ناصب واسمه، نَسُوقُ الْمَاءَ: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، إِلَى الْأَرْضِ: متعلق به، الْجُرُزِ: صفة لـ الْأَرْضِ، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر أن، وجملة أن: في تأويل مصدر ساد مسد مفعول رأى؛ أي: سوقنا الماء إلى الأرض الجرز. فَنُخْرِجُ: فعل مضارع وفاعل مستتر معطوف على نَسُوقُ. بِهِ: متعلق بـ نخرج، زَرْعًا: مفعول به، تَأْكُلُ: فعل مضارع، مِنْهُ: متعلق به أَنْعَامُهُمْ: فاعل، وَأَنْفُسُهُمْ: معطوف عليه، وجملة تَأْكُلُ: صفة لـ زَرْعًا، أَفَلَا يُبْصِرُونَ: الهمزة: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و الفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أعموا فلا يبصرون، والجملة المحذوفة: مستأنفة، لا: نافية، يُبْصِرُونَ: فعل وفاعل معطوف على تلك المحذوفة.
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠).
وَيَقُولُونَ الواو: استئنافية، يَقُولُونَ: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة، مَتَى: اسم استفام في محل النصب على الظرفية مبني على السكون
لشبهه بالحرف شبهًا معنويًا، هَذَا: مبتدأ مؤخر، الْفَتْحُ: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان له، والظرف: متعلق بواجب الحذف لوقوعه خبرًا مقدمًا، تقديره: هذا الفتح كائن متى؛ أي: في أيّ وقت يكون، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول لـ يَقُولُونَ، إن: حرف شرط، كُنْتُمْ صَادِقِينَ: فعل ناقص واسمه وخبره في محل الجزم بـ إن على كونه فعل شرط لها، وجواب إن الشرطية معلوم مما قبلها؛ أي: إن كنتم صادقين فمتى هو، وجملة إن الشرطية: في محل النصب مقول لـ يَقُولُونَ. قُلْ: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة: مستأنفة، يَوْمَ الْفَتْحِ: منصوب على الظرفية متعلق بـ لَا يَنْفَعُ، لَا: نافية. يَنْفَعُ: فعل مضارع، الَّذِينَ: مفعول به، وجملة كَفَرُوا: صلة الموصول، إِيمَانُهُمْ: فاعل يَنْفَعُ. والجملة الفعلية: في محل النصب مقول، لـ قُلْ وَلَا هُمْ: الواو: عاطفة، لا: نافية، هُمْ: مبتدأ، وجملة يُنْظَرُونَ: من الفعل المغير ونائب فاعله خبره، والجملة الاسمية: في محل النصب معطوفة على جملة لَا يَنْفَعُ: على كونها مقولًا لـ قُلْ. فَأَعْرِضْ: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حالهم المذكور، وأردت بيان ما هو الأصلح لك.. فأقول لك: أعرض عنهم. أعرض: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، عَنْهُمْ: متعلق به، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة، وَانْتَظِرْ: فعل أمر وفاعل مستتر معطوف على أعرض، ومفعوله محذوف، تقديره: النصر عليهم، إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ: ناصب واسمه وخبره، ومفعول: مُنْتَظِرُونَ محذوف، تقديره: النصر عليكم، وجملة إن في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، على كونها مسوقة لتعليل الأمر بالانتظار.
التصريف ومفردات اللغة
كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا: أصل الفسق: الخروج، من فسقت التمرة: إذا خرجت من قشرها، ثم استعمل في الخروج من الطاعة وأحكام الشرع مطلقًا،
فهو أعم من الكفر، وقد يخص به كما في قوله: وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.
جَنَّاتُ الْمَأْوَى: المأوى: المسكن، قال الراغب: المأوى: مصدر أوى إلى كذا: انضم إليه، وجنة المأوى: كقوله: دار الخلد في كون الدار مضافًا إلى المصدر، وفي "الإرشاد": أضيفت الجنة إلى المأوى؛ لأنها الفتاوى الحقيقي، وإنما الدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة، كما مر.
نُزُلًا: وهو في الأصل ما يعد للنازل والضيف، من طعام وشراب وصلة، ثم أطلق على كل عطاء، والمراد به هنا: الثواب والجزاء.
فَمَأْوَاهُمُ: اسم مكان؛ أي: ملجَؤُهم ومنزلهم.
الْأَدْنَى؛ أي: الأقرب، والمراد به عذاب الدنيا، فإنه أقرب من عذاب الآخرة وأقل منه، وقد ابتلاهم الله بسني جدب وقحط، أهلكت الزرع والضرع، والعذاب الأكبر، هو عذاب يوم القيامة.
دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ؛ أي: قبل العذاب الأكبر، فدون هنا بمعنى قبل، كما مر، وذلك لأنه في الأصل أدنى مكان من الشيء، فيقال: هذا دون ذلك: إذا كان أحط منه قليلًا، ثم استعير منه للتفاوت في الأموال.
إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ جمع مجرم، اسم فاعل من أجرم الرباعي، يقال: أجرم زيد: إذا فعل الجريمة؛ أي: السيئة، منتقمون: جمع منتقم، اسم فاعل من انتقم الخماسي، يقال: نقمت الشيء ونقمت منه: إذا أنكرته، إما باللسان، وإما بالعقوبة، والنقمة: العقوبة، والانتقام: العقوبة على الجريمة.
فِي مِرْيَةٍ وفي "المفردات": المرية: التردد في الأمر، وهو أخص من الشك.
مِنْ لِقَائِهِ يقال: لقيه كرضيه: إذا رآه، قال الراغب: يقال: ذلك في الإدراك بالحس بالبصر وبالبصيرة، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله.
أَئِمَّةً: جمع إمام بمعنى المؤتم، والمقتدى به قولًا وفعلًا، وأصله أأممة بوزن أفعلة جمع إمام، كأسلحة وسلاح، ولكن لما اجتمع المثلان، وهما الميمان، أدغمت الأولى في الثانية، ونقلت حركتها إلى الهمزة فصار أئمة بهمزتين، فأبدل من الهمزة المكسور ياء، كراهة اجتماع الهمزتين. اهـ. "شرح العقائد".
إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ: الجرز: الأرض اليابسة الجرداء، التي لا نبات فيها، قال الزمخشري: الجرز: الأرض التي جرز؛ أي: أزيل نباتها، قيل: هي مشتقة من قولهم: رجل جروز: إذا كان لا يبقي شيئًا إلا أكله، ومنه قول الراجز:
| خبٌّ جَرُوْزٌ إِذَا جَاعَ بَكَى | وَيأكُلُ التَّمْرَ وَلاَ يُبْقِي النَّوَى |
الْفَتْحِ: الحكيم، ويقال: للحاكم: الفاتح والفتاح؛ لأنه يفصل بين الناس بحكمه، ومعنى: مَتَى هَذَا الْفَتْحُ؛ أي: الفصل بيننا وبينكم في الخصومة.
وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ؛ أي: يمهلون ويؤخرون.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المقابلة اللطيفة بين جزاء الأبرار، وجزاء الفجار في قوله: أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى وقوله: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وهي من المحسنات البديعية. صفحة رقم 396
ومنها: الشماتة في قوله: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وهي فن من فنون البديع، لم يذكره أحد من الذين كتبوا في فنون البديع، ما عدا ابن أبي الإصبع، وهي: أعني: الشماتة. ذكر ما أصاب عدوك من آفات ومحن جزاء ما اقترفت يداه مع المبالغة في تصوير غمائه، وما يتخبط به من أهوال، وإظهار إغتباطك بما أصابه شماتةً به وتشفيًا منه، وفي هذه الآية من ضرورب التشفي والشماتة ما لا يخفى، وهو شائع في القرآن وفي الشعر، ومنه قصيدة فتح الفتوح لأبي تمام.
ومنها: الاستبعاد المستفاد بـ ثُمَّ في قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا لأن الإعراض عن الآيات مع غاية وضوحها وإشراقها، مستبعد في حكم العاقل الراجح.
ومنها: التعريض في قوله: فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ فإنه تعريض للكفار بأنهم في شك من لقائه، إذ لو لم يكن لهم فيه شك.. لآمنوا بالقرآن.
ومنها: التأكيد والتخصيص المستفاد من كلمة هُوَ في قوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ لأن المعنى: إن ذلك الفصل يوم القيامة، ليس إلا إليه وحده، لا يقدر عليه أحد سواه، ولا يفوض إلى من عداه، كما سبق.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ.
ومنها: الاستفهامات للتقريع والتوبيخ في قوله: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ وفي قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ وقوله: أَفَلَا يَسْمَعُونَ وقوله: أَفَلَا يُبْصِرُونَ لأن المقصود في الكل الإنكار والتوبيخ.
ومنها: المناسبة المعنوية بين أول الآية وآخرها في قوله: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ وهي؛ أي: المناسبة المعنوية: أن يبتدىء المتكلم بمعنى، ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ، وهذه الآية قال في أولها: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ وهي موعظة سمعية، لكونهم لم ينظروا إلى القرون الهالكة، وإنما سمعوا بها، فناسب أن يأتي بعدها بقوله: أَفَلَا يَسْمَعُونَ. وفي قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ بدأ هذه الآية بهذه الكلمة، وهي موعظة مرئية، فناسب
أن يقول في آخرها: أَفَلَا يُبْصِرُونَ لأن الزرع مرئي، لا مسموع، ليناسب آخر كل كلام أوله.
ومنها: التعميم بعد التخصيص، أو الإظهار في مقام الإضمار في قوله: لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ لأنه إن عم غير المستهزئين.. فهو تعميم بعد تخصيص، وإن خص بهم.. فهو إظهار في مقام الإضمار، تسجيلًا عليهم بالكفر، وبيانًا لعلة عدم النفع وعدم إمهالهم. اهـ. "شهاب".
ومنها: الجناس المغاير في قوله: وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
مجمل ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة من الموضوعات
١ - إثبات رسالة النبي - ﷺ -، وبيان أن مشركي العرب لم يأتهم رسول من قبله.
٢ - إثبات وحدانية الله تعالى، وأنه المتصرف في الكون، المدبر له على أتم نظام وأحكم وجه.
٣ - إثبات البعث والنشور، وبيان أنه يكون في يوم كألف سنة مما تعدون.
٤ - تفصيل خلق الإنسان في النشأة الأولى، وبيان الأطوار التي مرت به، حتى صار بشرًا سويًا.
٥ - وصف الذلة التي يكون عليها المجرمون يوم القيامة، وطلبهم الرجوع إلى الدنيا لإصلاح أحوالهم، ورفض ما طلبوا لعدم استعدادهم للخير والفلاح.
٦ - تفصيل أحوال المؤمنين في الدنيا، وذكر ما أعده الله لهم من النعيم، والثواب العظيم في الآخرة.
٧ - استعجال الكفار لمجيء يوم القيامة، استبعادًا منهم لحصوله (١).
والله أعلم
* * *
سورة الأحزاب
صورة الأحزاب مدنية كلها بالاتفاق (١). وآياتها: ثلاث وسبعون آية. وكلماتها: ألف ومئتان وثمانون كلمة. وحروفها: خمسة آلاف وسبع مئة وتسعون حرفًا.
التسمية: سميت سورة الأحزاب، لأنه ذكر فيها قصة المشركين الذين تحزبوا على المسلمين، من كل جهة، فاجتمع كفار مكة مع غطفان وبنى قريظة وأوباش العرب على حرب المسلمين، ولكن الله ردهم مدحورين، وكفى المؤمنين القتال بتلك المعجزة الباهرة.
الناسخ والمنسوخ فيها: قال ابن حزم (٢): سورة الأحزاب فيها آيتان من المنسوخ:
أولاهما: قوله تعالى: وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ الآية (٤٨) نسخت بآية السيف.
والآية الثانية: قوله تعالى: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ الآية (٥٢) نسخها الله تعالى بآية قبلها في النظم، وهي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الآية (٥٠).
المناسبة: مناسبتها لما قبلها: تشابه (٣) مطلع هذه السورة وخاتمة السالفة، فإن تلك ختمت بأمر النبي - ﷺ - بالإعراض عن الكافرين، وانتظار عذابهم، وهذه بدئت بأمره - ﷺ - بالتقوى، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، واتباع ما أوحي إليه من ربه، ومع التوكل عليه.
(٢) الناسخ والمنسوخ.
(٣) المراغي.
فضلها: ومن فضائلها (١): ما روى عن النبي - ﷺ -: "من قرأ سورة الأحزاب، وعلّمها أهله، وما ملكت يمينه.. أعطي الأمان من عذاب القبر".
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما، عن ابن عباس: أن عمر بن الخطاب قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: أيها الناس إن الله بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ورجم رسول الله - ﷺ - ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضةٍ أنزلها الله، وقد روي عنه نحو هذا من طرق.
وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال: قال لي عمر بن الخطاب: كم تعدون سورة الأحزاب، قلت: ثنتين أو ثلاثًا وسبعين، قال: إن كانت لتقارب سورة البقرة، وإن كان فيها لآية الرجم.
وأخرج البخاري في "تاريخه" عن حذيفة قال: قرأت سورة الأحزاب على رسول الله - ﷺ -، فنسيت منها سبعين آيةً ما وجدتها.
وأخرج أبو عبيد في "الفضائل" وابن الأنباري، وابن مردويه عن عائشة قالت: كانت سورة تقرأ في زمان رسول الله - ﷺ - مئتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف.. لم يقرر منها إلا على ما هو الآن.
وعن أبي بن كعب قال: كانت سورة الأحزاب تقارب سورة البقرة، أو أطول منها، وكان فيها آية الرجم، وهي: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم ثم رفع أكثرها فيما رفع، قال ابن كثير: إسناده حسن.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣) مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥) النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦) وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧). صفحة رقم 402
المناسبة
قد تقدم لك بيان المناسبات بين بداية هذه السورة، ونهاية السورة السالفة، وأما قوله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ... الآيات، فمناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما أمر نبيه (١) بتقواه والخوف منه، وحذر من طاعة الكفار والمنافقين والخوف منهم.. ضرب لنا الأمثال، ليبين أنه لا يجتمع خوف من الله وخوف من سواه، فذكر أنه ليس للإنسان قلبان، حتى يطيع بأحدهما ويعصي بالآخر، وإذا لم يكن للمرء إلا قلب واحد، فمتى اتجه لأحد الشيئين صد عن الآخر، فطاعة الله تصد عن طاعة سواه، وأنه لا تجتمع الزوجية والأمومة في امرأة، والبنوة الحقيقية والتبني في إنسان.
قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ... الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما أبان (٢) فيما سلف أن الدعي ليس ابنًا لمن تبناه، فمحمد - ﷺ - ليس أبًا لزيد من حارثة، ثم أعقب ذلك بالإرشاد إلى أن المؤمن أخو المؤمن في الدين، فلا مانع أن يقول إنسان لآخر أنت أخي في الدين.. أردف ذلك ببيان أن محمدًا - ﷺ - ليس أبًا لواحدٍ من أمته، بل أبوته عامة، وأزواجه أمهاتهم، وأبوته أشرف من أبوة النسب؛ لأن بها الحياة الحقيقية. وهذه بها الحياة الفانية، بل هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا حضهم على الجهاد ونحوه.. فذلك لارتقائهم الروحي، فإذًا كيف يستأذن الناس آباءهم وأمهاتهم حين أمرهم - ﷺ - بغزوة تبوك، وهو أشفق عليهم من الآباء، بل من أنفسهم.
قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ... الآية، مناسبة هذه الآية بما قبلها: أن الله سبحانه لما أبان فيما سلف أحكامًا شرعها لعباده، وكان فيها أشياء مما كان في الجاهلية، وأشياء مما كان في الإِسلام، ثم أبطلت ونسخت.. أتبع ذلك بذكر ما فيه حث على التبليغ، فذكر أخذ العهد على النبيين أن يبلغوا رسالات ربهم، ولا سيما أولو العزم منهم، وهم الخمسة
(٢) المراغي.
المذكورون في الآية، ما ذكر في آية أخرى سؤال الله أنبياءه عن تصديق أقوامهم له، ليكون في ذلك تبكيت للمكذبين من الكفار فقال: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ.
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ... الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما أمر عباده بتقواه وعدم الخوف من سواه.. ذكر هنا تحقيق ما سلف، فأبان أنه أنعم على عباده المؤمنين، إذ صرف عنهم أعداءَهم، وهزمهم حين تألبوا عليهم عام الخندق.
أسباب النزول
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ... سبب نزول هذه الآية: ما (١) روى الضحاك عن ابن عباس، قال: إن أهل مكة منهم الوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة، دعوا النبي - ﷺ - أن يرجع عن قوله على أن يعطوه شطر أموالهم، وخوف المنافقون واليهود بالمدينة؛ إن لم يرجع قتلوه، فأنزل الله سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ.....
قوله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ... الآية، سبب نزولها: ما أخرجه الترمذي وحسنه عن ابن عباس، قال: قام النبي - ﷺ - يصلي، فخطر خطرةً، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترى أن له قلبين، قلبًا معكم، وقلبًا معه، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ....
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق خصيف عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة قالوا: كان رجل يدعى ذا القلبين، فنزلت هذه الآية.
وأخرج ابن جرير من طريق قتادة عن الحسن مثله، وزاد: وكان يقول: لي نفس تأمرني، ونفس تنهاني.
وأخرج من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: نزلت في رجل من بني
فهم قال: إن في جوفي لقلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي: أنها نزلت في رجل من قريش من بني جمع، يقال له: جميل بن يعمر.
قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ... الآية (١)، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي، في جماعة آخرين عن ابن عمر: أن زيد بن حارثة مولى رسول الله - ﷺ -، ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ... الآية. فقال النبي - ﷺ -: أنت زيد بن حارثة بن شراحيل.
وكان من خبره أنه سبي من قبيلته "كلب"، وهو صغير، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله - ﷺ -.. وهبته له، ثم طلبه أبوه وعمه، فخير بين أن يبقى مع رسول الله - ﷺ - أو أن يذهب مع أبيه، فاختار البقاء مع رسول الله - ﷺ -، فأعتقه وتبناه، وكانوا يقولون: زيد بن محمد، فلما تزوج رسول الله - ﷺ - زينب، وكانت زوجًا لزيد، وطلقها.. قال المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى عن ذلك، فنزلت الآية لنفي أن يكون للمتبنى حكم الابن حقيقةً في جميع الأحكام التي تعطى للابن.
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ... الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه البيهقي في "الدلائل" عن حذيفة، قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعودًا، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة أسفل منا، نخافهم على ذرارينا، وما أتت قط علينا ليلة أشد ظلمةً، ولا أشد ريحًا منها، فجعل المنافقون يستأذنون النبي - ﷺ -، يقولون: إن بيوتنا عورة، وما هي بعورة، فما يستأذن أحد منهم إلا أذن له، فيتسللون إذا استقبلنا النبي - ﷺ - رجلًا رجلًا، حتى علي فقال: ائتني بخبر القوم، فجئت فإذا الريح في عسكرهم، ما تجاوز عسكرهم شبرًا، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الهرري الشافعي
هاشم محمد علي مهدي