ثم ذكر حال من لم يشكر النعم، فقال :
لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ .
قلت : لسبأ فيه الصرف، بتأويل الحي، وعدمه، بتأويل القبيلة. و مسكنهم ، مَن قرأ بالإفراد وفتح الكاف على القياس في الاسم والمصدر، كمدخَل، ومَن كسره فلغة، والسماع في المصدر كمسجِد. و جنتان بدل من آية أو : خبر عن مضمر، أي : هي جنتان.
يقول الحق جلّ جلاله : لقد كان لسبأٍ سُئل صلى الله عليه وسلم أرجلاً كان أو امرأة، أو أرضاً أو جبلاً أو وادياً، فقال صلى الله عليه وسلم :" هو رجل من العرب، ولد عشرة من الولد، فتيامن ستةٌ، وتشاءم أربعةٌ : فالذين تيامنوا كثرة، فكندة، والأشعريون، والأزد، ومذحج، وأنمارُ، وحميرُ، فقال رجل : مَن أنمار يا رسول الله ؟ قال منهم خَثْعَمُ وبَجِيلَةُ. والذين تشاءموا : عاملة، وجذام، ولخم، وغسان١ ".
قلت : وسبأ هو ابن يشخب بن يعرب بن قحطان. واختلف في قحطان، فقيل : هو ابن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح. وقيل : هو أخو هود عليه السلام. وقيل : هو هود، بنفسه، وإن هوداً هو ابن عبد الله بن رباح، لا ابن عابر، على الأصح. فهو على هذا القول ابن أرم بن سام. وقيل : قحطان من ولد إسماعيل، فهو ابن أيمن بن قيذر بن إسماعيل. وقيل : هو ابنُ الهميسع بن أيمن. وبأيمن سميت اليمن، وقيل : لأنها عن يمين الكعبة. هذا والعربُ كلها يجمعها أصلان : عدنان وقحطان، فلا عربي في الأرض إلا وهو ينتهي إلى أحدهما، فيقال : عدناني أو قحطاني.
ومَن جعل العرب كلها من ولد إسماعيل مرّ على أن قحطان من ذرية إسماعيل، كما تقدّم، واختلف في خزاعة، فقيل : قحطانية، وقيل : عدنانية، وأن جدهم عمرو بن لحي، وأما الأوس والخزرج فهما من ذرية سبأ، نزلت يثرب، بعد سيل العرم، كما يأتي.
قال تعالى : لقد كان لسبأٍ في مسكنهم أي : في بلدهم، أو أرضهم، التي كانوا مقيمين فيها باليمن، آيةٌ دالة على وحدانيته تعالى، وباهر قدرته، وإحسانه، ووجوب شكر نعمه، وهي : جنتانِ أي : جماعة من البساتين، عن يمينٍ واديهم، وَشِمَالٍ وعن شماله. وكل واحدة من الجماعتين في تقاربها وتصافها كأنها جنة واحدة، كما يكون في بساتين البلاد العامرة. قيل : كان الناس يتعاطون ذلك على جَنْبتي الوادي، مسيرة أربعين يوماً، وكلها تُسقى من ذلك الوادي ؛ لارتفاع سده. أو : أراد بُسْتانين، لكل رجل بستان عن يمين داره، وبستان عن شماله. ومعنى كونهما آية : أن أهلها لَمّا أعرضوا عن شكر النعم سلبهم الله النعمة، ليعتبروا ويتَعظوا، فلا يعودوا لِمَا كانوا عليه من الكفر وغمط النعم، فلما أثمرت البساتين ؛ قلنا لهم على لسان الرسل المبعوثين إليهم، أو بلسان الحال، أو هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك : كُلُوا من رزق ربكم واشكرُوا له بالإيمان والعمل الصالح، بلدةٌ طيبةٌ أي : هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة، وربُّ غفور أي : وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم ربٌّ غفور لمَن شكره.
قال ابن عباس : كانت سبأ على ثلاثة فراسخ من صنعاء، وكانت أخصب البلاد، فتخرج المرأة على رأسها المكتل، وتسير بين تلك الشجر، فيمتلئ المِكْتَل مما يتساقط فيه من الشجر ولقد كان الرجل يخرج لزيارة أقاربه، وعلى رأسه مكتل، أو قُفة، أو طبق فارغ، فلا يصل إلى حيث يريد إلا والطبق قد امتلأ فاكهة، مما تسقطه الرياح، دون أن يمد يده إلى شيء من ثمرها. ومن طيبها : أنها لم تُرَ في بلدهم بعوضة قط، ولا ذباب، ولا برغوث، ولا عقرب، ولا حية. وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل والدواب ؛ ماتت الدواب والقمل ؛ لطيب هواها.
قال القشيري : وبدلناهم بجنتيهم جنتين... الآية، كذلك من الناس مَن يكون في رَغَدٍ من الحال، واتصالٍ من التوفيق، وطيب من القلب، ومساعدة من الوقت، فيرتكبُ زَلَّةً، أو يتبع شهوةً، ولا يعرف قَدْرَ ما يفوته فيفتر عليه الحالُ، فلا وقتَ ولا حالَ، ولا قُربَ ولا وصالَ، يُظْلِمُ عليه النهارُ، بعد أن كانت لياليه مضيئة. وأنشدوا :
ذلك جزيناهم بما كفروا... الآية : ما عوقبوا إلاَّ بما استوجبوا، وما سُقُوا إلاَّ ما أفيضوا، ولا وقعوا إلاَّ في الوَهْدَةِ التي حَفَرُوا، وما قُتِلُوا إلا بالسيف الذي صَنَعُوا. هـ. ما زلتُ أختال في زَماني حتى أَمِنتُ الزمانَ مَكْرَه طال علينا الصدودُ حتى لم يبق مما شَهِدْت ذَرَّه
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي