وما كان له عليهم من سلطانٍ أي : ما كان لإبليس على مَن صدق ظنه عليهم من تسلُّط واستيلاء بالوسوسة، إِلا لِنَعْلَم موجوداً ما علمناه معدوماً من يؤمنُ بالآخرةِ ممن هو منها في شكٍّ أي : إِلا ليتعلق علمنا بذلك تعلُّقاً تنجيزيًّا، يترتب عليه الجزاء، أو : ليتميز المؤمن من الشاك، أو : ليؤمن مَن قُدّر إيمانُه، ويشك من قُدر ضلالُه. وربك على كل شيءٍ حفيظٌ محافظ رقيب، وفعيل ومفاعل أخوان.
الإشارة : كل مَن لم يصل إلى حضرة العيان صدق عليه بعض ظن الشيطان ؛ لأنه لما رأى بشرية آدم مجوفة، ظن أنه يجري معه مجرى الدم، فكل مَن لم يسد مجاريه بذكر الله، حتى يستولي الذكر على بشريته، فيصير قطعة من نور، فلا بد أن يدخل معه بعض وساوسه، ولا يزال يتسلّط على قلب ابن آدم، حتى يدخل حضرة القدس، فحينئذ يحرس منه، لقوله تعالى : إِنَّ عَبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [ الحجر : ٤٢ ]. وعباده الحقيقيون هم الذين تحرّروا مما سواه، فلم يبقَ لهم في هذا العالم علقة، وهم المرادون بقوله تعالى : إِلا فريقاً من المؤمنين وما سلَّطه عليهم إلا ليتميز الخواص من العوام، فلولا ميادين النفوس، ومجاهدة إبليس، ما تحقق سير السائرين، أي : وما كان له عليهم من تسلُّط إلا لنعلم علم ظهور مَن يؤمن بالخصلة الآخرة، وهي الشهود، ممن هو منها في شك، وربك على كل شيء حفيظ يحفظ قلوب أوليائه من استيلاء غيره عليها. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي