ﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘ

قوله : إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بالحق يجوز أن يكون «يَقْذِفُ بالْحَقِّ » مفعوله محذوفاً لأن القَذْفَ في الأصل الرمي وعبر عنه هنا عوضاً عن الإلقاء أي يلقي الوحي إلى أنبيائه «بالْحَقِّ » أي بسبب الحق أو ملتبساً بالحق. ويجوز أن يكون التقدير يَقْذِفُ الباطلَ بالحقِّ أي يدفعه ويطرحه١، كقوله تعالى : بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل [ الأنبياء : ١٨ ]. ويجوز أن يكون الباء٢ زائدة أي نُلْقِي الحَقِّ٣، كقوله : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ [ البقرة : ١٩٥ ] أو تضمن «يقذف » معنى يقضي ويحكم٤، والقذف الرمي بالسهم أو بالحَصَاةِ أو الكلام٥.
قال المفسرون : معناه نأتي٦ بالحق بالوحي ننزله من السماء فنقذفه إلى الأنبياء٧. قوله : عَلاَّمُ الغيوب العامة على رفعه وفيه أوجه :
أظهرها : أنه خبر ( ثانٍ )٨ ل «إنّ »٩ أو خبر لمبتدأ مضمر١٠ أو بدل من الضمير في «يَقْذِفُ »١١ أو نعت له على رأي الكسائي ؛ لأنه يُجيزُ نعت الضمير الغائب. وقد صرح به هنا١٢ وقال الزمخشري : رفع على محل إنَّ واسْمِها، أو على المستكِنِّ في «يَقذف »١٣ يعني بقوله محمول على محل إنَّ واسْمِهَا يعني به النعت إلا أن ذلك ليس مذهب البصريين لأنهم لم يعتبروا المحل إلا في العطف بالحرف بشروط عند بعضهم. ويريد بالحمل١٤ على الضمير في نقذف أنه بدل منه لا أنه نعت له لأن ذلك انفرد به الكسائي١٥، وقرأ زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ وعيسَى بْنُ عُمَرَ وابنُ أبي إسْحَاقَ بالنصب نعتاً١٦ لاسم إنَّ أو بدلاً منه على قلة الابدال بالمشتق أو منصوب على١٧ المدح. وقرئ الغُيُوب بالحركات الثلاث في الغين. فالضم والكسر تقدما في «بُيُوتٍ »١٨ وبابه. وأما الفتح صيغةُ مبالغة كالشَّكُورِ والصَّبُورِ وهو الشيء الغائب الخَفِيُّ١٩.

فصل


قال ابن الخطيب في يقذف بالحق وجهان :
أحدهما : نقذف بالحق في قلوب المحقين. وعلى هذا تُعَلَّقُ٢٠ الآية بما قبلها من حيث إن الله تعالى لما بين رسالة النبي - عليه ( الصلاة٢١ و ) السلام- بقوله : إنْ هُوَ إلاَّ نَذِيرٌ وأكده بقوله : قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم وكان من عادة المشركين استبعاد تخصيص واحد من بينهم بإنزال٢٢ الذكر عليه كما حكى٢٣ عنهم قولهم٢٤ : أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا [ ص : ٨ ] ذكر ما يصلح جواباً لهم فقال : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بالحق في القلوب ( إشارة٢٥ إلى أن الأمر بيده يفعل ما يريد ويعطي ما يشاء لمن يشاء ثم قال : علام الغيوب ) إشارة إلى جواب سؤال فاسد يذكر عليه وهو أن من فعل شيئا كما يريد من غير اختصاص محل٢٦ الفعل بشيء لا يوجد في غيره لا يكون عالماً وإنما ذلك فعل٢٧ اتفاقاً، كما يصيب السهم موضعاً دون غيره مع تسوية المواضع في المحاذاة، فقال :«بالْحقِّ » كيف شاء٢٨ وهو عالم بما يفعله ( دعاكم )٢٩ بعواقب ما يفعله إذْ هُو عَلاَّم الغُيُوب فهو كما يريد لا كما يفعل الهاجمُ الغافلُ عن العَوَاقب.
الوجه الثاني : أن المراد منه أنه يقذف بالحق على الباطل كقوله : بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ [ الأنبياء : ١٨ ] وعلى هذا تعلق الآية بما قبلها من٣٠ حيث إن براهين التوحيد لما ظهرت وشبهتهم داحضة٣١ قال :«إن ربي يقذف بالحق » أي يُبْلي٣٢ باطلكم. وعلى هذا الوجه فقوله :«علام الغيوب » هو أنّ البرهان المعقول لم يقع إلا على التوحيد والرسالة وأما الحشر فلا بُرْهَان على وقوعه إلا إخبار٣٣ الله تعالى عنه وعن أحواله وأهواله ولولا بيان الله بالقول لما بان لأحد بخلاف التوحيد والرسالة فلما قال : يَقْذِفُ بالحق أي على الباطل أشار به إلى ظهور البراهين على التوحيد والنبوة. ثم قال :«عَلاَّم الغُيُوبِ » أي ما يخبره عن الغيب وهو قيام الساعة وأهوالها٣٤ فهو لا خُلْف فيه فإن الله علام الغيوب. وتحتمل الآية وجهاً٣٥ آخر وهو أن يقال :« رَبِّي يَقْذِفُ بالحق أي ما يقذفه بالحق لا بالباطل. والباء٣٦ على الوجهين الأولين متعلق بالمفعول به والحق مقذوف على الوجهين الأولين وعلى هذا الباء في قوله :«بالحق » كالباء في قوله تعالى : فاحكم بَيْنَ الناس بالحق [ ص : ٢٦ ] والمعنى على هذا الوجه هو أن الله تعالى قذف ما قذف في قلوب٣٧ الرسل وهو علام الغيوب يعلم ما في قلوبهم وما في قلوبكم.
١ المراجع السابقة..
٢ أوردها أبو حيان في بحره وضعفها قال: "فإذا جعلت بالحق هو المفعول كانت الباء زائدة في موضع لا تطرد فيه". البحر ٧/٢٩٢. وقد جوز زيادة الباء هنا شهاب الدين السمين في الدر المصون ٤/٤٥٥..
٣ ما بين القوسين كله ساقط من "ب"..
٤ المرجع الأخير السابق..
٥ قاله في اللسان ٣٥٦٠..
٦ قال بذلك أبو عبيدة في المجاز ٢/١٥٠ وابن قتيبة في الغريب ٣٥٨، وابن الجوزي في الزاد ٦/٤٦٦ والزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٤/٢٥٨ وانظر: البحر المحيط ٧/٢٩٢ ومعالم التنزيل للبغوي ٥/٢٩٥ والخازن عليه وغير ذلك..
٧ المراجع السابقة..
٨ سقط من "ب"..
٩ بعد الأول وهو :"يقذف". قاله ابن الأنباري في البيان ٢/٢٨٣ والعكبري في التبيان ١٠٧١ والسمين في الدر ٤/٤٥٥..
١٠ قاله الكشاف ٣/٢٩٥ وابن الأنباري وأبو البقاء والسمين المراجع السابقة..
١١ قاله مكي في مشكل إعراب القرآن ٢/٢١٢ وانظر المراجع السابقة أيضا. كما ذكره أيضا الزجاج في إعراب القرآن ٤/٢٨٥ والنحاس أيضا في الإعراب ٣/٣٥٤ والقرطبي في الجامع ١٤/٣١٣..
١٢ نقله عنه أبو حيان في البحر ٧/٢٩٢..
١٣ ذكره في الكشاف ٣/٢٩٥..
١٤ في "ب" المحل لا الحمل وهو تحريف..
١٥ هذا رد أبي حيان والسمين في البحر ٧/٢٩٢ والدر ٤/٤٥٦ وقد اعترض أبو حيان لأن غالب أهل البصرة قد وضعوا للعطف على المحل شروطا منها وجود المحرز، وهو الطالب للمحل وبعض البصريين والكوفيين لا يشترط المحرز، ولأن إن لم تعمل عندهم في الخبر شيئا بل هو مرفوع بما كان مرفوعا قبل دخولها..
١٦ في "ب" نعت بالرفع والقراءة شاذة وقد ذكرها ابن خالويه في المختصر ٢٢. وهي جائزة لغويا. وقد ذكرها النحاس ٣/٣٥٤ والفراء ٢/٣٦٤ والزجاج ٤/٢٥٧ وابن الأنباري في البيان ٢/٢٨٣..
١٧ قاله العكبري في التبيان ١٠٧١ والزمخشري في الكشاف ٣/٢٩٥..
١٨ من قوله تعالى: في بيوت أذن الله أن ترفع النور آية ٣٦ أو إن بيوتنا عورة الأحزاب آية ١٣. وقد كسر الغين من "الغيوب" حمزة وأبو بكر وضمها الباقون فهي قراء متواترة وضم "بيوت" ورش وأبو عمرو وحفص وأبو جعفر ويعقوب. وانظر النشر ٢/٣٥١ وتقريبه ١٦٢ والكشف ٢/٢٠٨، والإتحاف ٣٦٠..
١٩ ذكره القرطبي ١٤/٣١٣ و الكشاف ٣/٢٩٥ والبحر ٧/٢٩٢ والدر ٤/٤٥٦ ولم ينص عليها قراءة..
٢٠ فيه: "وعلى هذا للآية تعلق بما قبلها"..
٢١ سقط من "أ"..
٢٢ فيه: الذكر وهو الأصح..
٢٣ فيه: كما قال تعالى عنهم..
٢٤ في "ب": قوله..
٢٥ ما بين القوسين ساقط من "ب"..
٢٦ في "ب": المحل وما في الفخر يوافق "أ"..
٢٧ في الفخر: وإنما فعل ذلك..
٢٨ في الفخر تشاء..
٢٩ سقط من "ب" وتصحيحها وعالم..
٣٠ في الفخر: وذلك من حيث..
٣١ وفيه: ودحضت شبهتهم..
٣٢ فيه: أي على باطلكم..
٣٣ فيه: غير إخبار..
٣٤ وفيه: وأحوالها..
٣٥ وفيه: تفسير بدل وجه..
٣٦ في "ب" : والباطل. وهو تحريف..
٣٧ في "ب": قلب وهو يوافق الفخر..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية