ولما قالوا له صلى الله عليه وسلم : قد ضللت بترك دين آبائك قال الله تعالى : قل إِن ضللتُ عن الحق فإِنما أَضلُّ على نفسي فإن وبال ضلالي عليها، وإِن اهتديتُ فبما يُوحي إِليّ ربي أي : فبتسديده بالوحي إِليّ. وكان قياس المقابلة أن يقال : وإن اهتديتُ فإنما أهتدي لها، كقوله : فَمِنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا
[ الزمر : ٤١ ]، ولكن هما متقابلان معنًى ؛ لأنّ النفس كلّ ما يضرها فهو بسببها، وما لها مما ينفعها، فهو بهداية ربها وتوفيقه، وهذا حكم عمل لكل مكلّف. وإنما أمر رسولَه أن ينسبه إلى نفسه ؛ تشريعاً لغيره ؛ لأنه إذا كان هذا له مع جلالة قدره فما باله بغيره ؟. إِنه سميع لما أقوله لكم، قريبٌ مني ومنكم، فيجازيني ويجازيكم على ما أخفيتم وما أعلنتم.
وفي القوت في تفسير الآية : أي : لما جاء الحق أبطل الباطل وأعاده، فأظهر حقيقة الأمر بدءاً وعوداً، أي : كشف ما يبدئ الباطل للابتداء، وما يعيد على العبد من الأحكام، يعني : أن نور الحق يكشف حقيقةَ الباطل وضررَ عاقبته، وقُبحه في ذاته. والله أعلم. هـ. ومَن رُمي بباطل أو بدعة، وهو محقق بالحق، متمسك بالسنة النبوية، فليقل لمَن رماه : إِن ضللتُ فإنما أضل على نفسي.. الآية. فلم يبقَ إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين
الإشارة : الحق هو العلم بالله، والباطل الجهل بالله، أو : ما سوى الله، فإذا حصل للعبد العلم بالله غاب عنه كل ما سواه، وما بقي في الوجود إلا الله، وفي ذلك يقول الشاعر :
| فلم يبقَ إلا الله لم يبق كائن | فما ثم موصول ولا ثم بائن |
| بذا جاء برهان العيان فما أرى | بعيني إلا عينه إذ أعاين |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي