وردا على ما كان يزعمه المشركون من أن عقيدة التوحيد التي يدعو إليها رسول الله، ويبرهن عليها كتاب الله، إنما هي مجرد ضلال وانحراف، وأن الوثنية التي درجوا عليها هي الحق الصراح، أكد لهم الرسول عليه السلام بأمر من ربه أنه سيظل وفيا لعقيدة التوحيد، متمسكا بها، وداعيا إليها، حاملا رايتها، متحملا كل النتائج التي تترتب على الإيمان بها والدعوة إليها، بالرغم من كونهم يعتبرونها ضلالا وانحرافا، مهتديا بالمبدأ القرآني القويم، المطابق للمنطق السليم، من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها ( ١٥ : ١٧ )، وذلك قوله تعالى هنا : قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ، وهذا هو الشق الأول من الرد، أما الشق الثاني فقد جاء بأكثر مما كان ينتظر، إذ تضمن إشارة إلى أن قدرة العقل على التفكير الصحيح ومعرفة الحق، التي سبق التنبيه إليها عند قوله تعالى في الآية الأولى من هذا الربع، ثم تتفكروا ، هي وإن كانت أساسا للنظر، والوصول إلى الاقتناع والإقناع، تظل قدرة محدودة تكتنفها السحب والغيوم في كثير من الأحيان، ولذلك فهي لا تستغني عن الهداية الإلهية، التي يحمل ( الوحي الإلهي ) مشعلها الكشاف المنير، فالوحي الإلهي- لكونه منبثقا من منبع النور نفسه – له نور قوي تخترق أشعته جميع الحجب التي تعترض العقل في طريقه، فيهتدي العقل بمعونته إلى اكتشاف الحق ومعرفته في كثير من المجالات، وهذا هو المعنى الإضافي الذي جاء به الشق الثاني من رد الرسول على المشركين ومن كان على شاكلتهم إذ يقول : وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي .
ثم عقب كتاب الله على ذلك كله بقوله : إنه سميع إشارة إلى أن الله تعالى مطلع على كل ما يدور بين الرسول وخصوم الرسالات من جدل وحوار، وأنه يبارك ذلك الحوار الموصول الحلقات، عسى أن يقتنع الشاكون والجاحدون بما يقدمه لهم كتاب الله من الحجج والبراهين، ويهتدوا إلى الحق المبين، وبقوله : قريب( ٥٠ ) ، إشارة إلى أن من طرق باب الحق سبحانه وتعالى ملتمسا للهداية، نال منه ما يرجوه وأشرف على الغاية، ولقد خلقنا الإنسان، ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ، ( ١٦ : ٥٠ ).
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري