ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ

( قوله )١ «أَفْتَرى » هذه همزة الاستفهام وحذفت لأجلها همزة الوصل فلذلك ثبتت همزة الهمزة وصلاً وابتداء. قال البغوي : هذه ألف٢ استفهام دخلت على ألف٣ الوَصْل فلذلك نُصِبَ٤ «عَلَى اللَّهِ كَذِباً » وبهذه الآية استدل الجَاحِظُ٥ على أن الكلام ثلاثة أقسام صِدق وكَذِب ولا صدق ولا كذب ووجه الدلالة عنه على القسم.
الثالث : أن قوله «بِهِ جُنَّةٌ » لا جائز أن يكون كذباً لأنه قسيم الكذب وقسيم الشيء غيره ولا جائز أن يكون صدقاً لأنهم لم يعتقدوه فثبت قسم ثالث٦. وأجيب عنه بأنَّ المعنى : أَمْ لَمْ يَفْتَر، ولكن عبر عن هذا بقولهم :«أَمْ بِهِ جِنَّةٌ » ؛ لأن المجنون لا افتراء له٧، والظاهر في «أم » هذه أنها متصلة لأنها تقدر بأيِّ الشَّيْئَين ويجاب بأحدهما لأنه قيل : أي الشيئين واقع افتراؤه الكذب أم كونه مجنوناً ولا يضر كونها بعدها جملة لأن الجملة بتأويل المفرد كقوله :
٤١١٢- لاَ أُبَالِي أَنَبَّ بالحَزْن تَيْسٌ. . . أَمْ جَفَانِي بظَهْرِ غَيْب اللَّئِيمِ٨
ومثل قول الآخر :
٤١١٣- لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وإنْ كُنْتُ دَارِياً. . . شُعَيْثُ بْنُ سَهْم أمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقِرِ٩
لأن «منقر » خبر لا نعت كذا أنشده بعضهم مستشهداً على أنها جملة وفيه حذف التنوين بما قبل «ابن » وليس بصفة، وهذا إشارة إلى البحث المتقدم في سورة التوبة١٠.

فصل


قوله : أفترى عَلَى الله كَذِباً يحتمل أن يكون من تمام قول الكافر١١ أولاً أي من كلام القائلين :«هَلْ نَدُلُّكُمْ » ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب للقائل :«هَلْ نَدُلّكُمْ » كأن السامع لما قيل له : هل ندلكم على رجل قال له وهو١٢ يفتري على الله كذباً إن كان يعتقد خلافه «أَوْ بِهِ١٣ جُنَّةٌ » مجنون١٤ ؟ إن كان لا يعتقد خلافه، وفي هذا لطيفة وهي أن الكافر لاَ يَرْضَى بأن يظهر كذبه ولهذا قسم ولم يجزم بأنه مفترٍ بل قال مفتر أو مجنون احترازاً من أن يقول قائل : كَيْفَ يقول بأنه مفترٍ مع أنه جاز أن يظن أن الحق١٥ ذلك، وظن الصدق يمنع تسمية القائل مفترياً وكاذباً في بعض المواضع ألا ترى أن من يقول : جَاءَ زيد فإذا تبين أنه لم يجئ وقيل له : لم كذبتَ ؟ يقول : ما كذبتُ وإنما سمعت من فلانٍ فظننت أنه صادق فيدفع الكذب عن نفسه بالظن فهم احترزوا عن تبيين كذبهم فكل عاقل ينبغي أن يحترز عن ظهور كذبه عند الناس ولا يكون العاقل أدنى درجة من الكافر، ثم إنه تعالى أجابهم مرة أخرى رداً عليهم فقال : بَلِ الذين كفروا فِي العذاب في مقابلة قولهم : أفترى عَلَى الله كَذِباً .
وقوله :«فِي الضِّلال البَعِيد » عن الحق في الدنيا، وهذا في مقابلة قولهم :«بِهِ جِنَّة » وكلاهما مناسب أما العذاب فلأن نسبة المكذب١٦ إلى الصادق مؤذٍ، لأنه شهادة عليه بأنه يستحق العذاب فجعل العذاب عليهم حيث نسبوا العذاب إلى البرئ وأما المجنون فلأن نسبة الجنون إلى العاقل١٧ دونه في الإيذاء فإنه لا يشهد عليه بأنه يعذب وإنما ينسبه إلى عدم الهداية فبين أنَّهُم هم الضالون، ثم وصف ضلالهم بالبعد لأن من يسمي المهتديَ ضَالاً يكون أضلّ، والنبي عليه ( الصلاة١٨ و ) السلام ( كان١٩ ) هادي كل مهتد٢٠.
١ ساقط من "ب"..
٢ في "ب" همزة بدل ألف..
٣ في "ب" نصبت بالتاء..
٤ معالم التنزيل ٥/٢٨٢ وانظر المرجعين السابقين..
٥ هو أبو عمرو بن بحر الجاحظ إمام أهل البيان والبلاغة له من المصنفات البيان والتبيين، الحيوان، وغير ذلك توفي سنة ٢٥٥، انظر: معجم الأدباء ١٦/١٠٩..
٦ الدر المصون ٤/٤١٤ وإيضاح القزويني ١٣..
٧ السابقان..
٨ من الخفيف وهو لحسان بن ثابت –رضي الله عنه- ويروى: ما أبالي بدل من لا أبالي الرواية العليا هنا، والحزن الأرض الغليظة، والتيس: ذكر الماعز و "جفاني" يروى بدل منه "لحاني" أي شتمني ولامني يريد أن يبين أن نبيب التيس وتصويته وشتم اللئيم عنده سواء. وشاهده: "أم جفاني" حيث إن "أم" معادلة لهمزة الاستفهام والجملة بعدها في تأويل المفرد، كما أخبر فوق أي لا أبالي أي الفعلين كان. وانظر: الكتاب ٣/١٨١ وابن الناظم ٢٠٦ والمقتضب ٣/٢٩٨ وديوانه ٨٩..
٩ هو من الطويل وهو للأسود بن يعفر، وينسب أيضا للعين المنقري، وأوس بن حجر، والشاهد فيه كسابقه حيث وقعت "أم" معادلة للهمزة الاستفهامية المحذوفة لدلالة "أم" عليها بتقدير: أشعيث بعضهم أم.. ولا يخفى أن "أم" هنا متصلة كالسابقة ولكنها في تلك المرة وقعت بين جملتين اسميتين وكانت الأولى قد وقعت بين فعليتين وقد تقدم..
١٠ يقصد قول الله: وقالت اليهود عزير ابن الله وهي الآية ٣٠ حيث قرأ الكسائي وعاصم بتنوين: "عزير" والباقي بلا تنوين وخرجت على أن التنوين حذف لالتقاء الساكنين ولوقوع ابن صفة له وهكذا التنظير بالآية..
١١ في "ب" الكافرين..
١٢ في الفخر الرازي: أهو يفتري بصيغة الاستفهام..
١٣ وفيه: أم به جنة..
١٤ في "ب" والرازي : جنون..
١٥ انظر: تفسير الرازي ٢٥/٢٤٤..
١٦ في "ب" الكذب وكذا هي في الفخر الرازي..
١٧ في "ب" القائل..
١٨ سقط من "أ" وهي في الفخر و "ب"..
١٩ سقط من "ب"..
٢٠ انظر: تفسير الفخر الرازي المرجع السابق ٢٥/٢٤٤..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية