ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ

والهمزة في قوله : أفترى أي : تعمد على الله أي : الذي لا أعلم منه كذباً أي : بالإخبار بخلاف الواقع وهو عاقل صحيح القصد همزة استفهام فالقراء الجميع يحققونها، واستغنى بها عن همزة الوصل فإنها تحذف لأجلها فلذلك تثبت هذه الهمزة ابتداء ووصلاً، قال البغوي : هذه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فلذلك نصبت أم به جنة أي : جنون يحكى به ذلك، واستدل الجاحظ بهذه الآية على أن الكلام ثلاثة أقسام : صدق وكذب، ولا صدق ولا كذب ووجه الدلالة منه على القسم الثالث أن قولهم أم به جنة لا جائز أن يكون كذباً لأنه قسيم الكذب وقسيم الشيء غيره، ولا جائز أن يكون صدقاً لأنهم لم يعتقدوه فثبت قسم ثالث. وأجيب عنه : بأن المعنى أم لم يفتر ولكن عبر هذا بقولهم أم به جنة لأن المجنون لا افتراء له.
تنبيه : قوله أفترى يحتمل أن يكون من تمام قول الكافرين أولاً أي : من كلام القائلين هل ندلكم ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب للقائل هل ندلكم كأن القائل لما قال له هل ندلكم على رجل قال له : هل افترى على الله كذباً إن كان يعتقد خلافه أم به جنة أي : جنون إن كان لا يعتقد خلافه.
ولما كان الجواب ليس به شيء من ذلك عطف عليه قوله تعالى بل الذين لا يؤمنون أي : لا يوجدون الإيمان لأنهم طبعوا على الكفر بالآخرة أي : المشتملة على البعث والعذاب في العذاب أي : في الآخرة والضلال البعيد أي : عن الصواب في الدنيا، فرد الله تعالى عليهم ترديدهم وأثبت لهم سبحانه ما هو أفظع من القسمين فقوله تعالى بل الذين كفروا في العذاب في مقابلة قولهم أفترى على الله كذباً وقوله تعالى والضلال البعيد في مقابلة قولهم أم به جنة وكلاهما مناسب، أما العذاب فلأن نسبة الكذب إلى الصادق مؤد إلى أنه شهادة عليه بأنه يستحق العذاب فجعل العذاب عليهم حيث نسبوا الكذب إلى البريء، وأما الضلال فلأن نسبة الجنون إلى العاقل دونه في الإيذاء، فإنه لا يشهد عليه بأنه يعذب وإنما ينسبه إلى عدم الهداية فبين تعالى أنهم هم الضالون، ثم وصف ضلالهم بالبعد ووصف الضلال به للإسناد المجازي لأن من يسمي المهدي ضالاً يكون أضل، والنبي صلى الله عليه وسلم هادي كل مهتد.

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

الشربيني

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير