وأعمال بني آدم وَهُوَ الرَّحِيمُ بخلقه الْغَفُورُ بستر الذنوب وتأخير العذاب عنهم.
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٣ الى ٥]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)
قوله عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي قسم أقسم به يعني:
بلى والله.
قوله: لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ قرأ ابن عامر ونافع عالِمِ بالضم، جعله رفعاً بالابتداء.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: عالِمِ الْغَيْبِ بكسر الميم وهو صفة لله تعالى. وهو قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ ويقال: ردّه إلى حرف القسم وهو قوله تعالى: قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ.
وقرأ حمزة والكسائي علام الغيب وهو على المبالغة في وصف الله عز وجل بالعلم.
ويقال: من قرأ عالِمِ الْغَيْبِ بالضم فهو على المدح ومعناه: هو عالِمِ الْغَيْبِ. ويقال:
هو على الابتداء وخبره لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ قرأ الكسائي: لاَ يَعْزُبُ بكسر الواو. وقرأ الباقون: بالضم، ومعناهما واحد أي: لا يغيب عنه مِثْقالُ ذَرَّةٍ يعني: وزن ذرة صغيرة.
والذرة النملة الصغيرة الحمراء. ويقال: التي ترى في شعاع الشمس فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ يعني: قد بيّن الله عَزَّ وَجَلَّ في اللوح المحفوظ لِيَجْزِيَ يعني: لكي يثيب الَّذِينَ آمَنُوا بأعمالهم في الدنيا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَرِزْقٌ كَرِيمٌ أي: ثواب حسن في الجنة.
قوله عز وجل: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا يعني: عملوا في القرآن مُعاجِزِينَ يعني:
متسابقين ليسبق كل واحد منهم بالتكذيب قرأ أبو عمرو وابن كثير مُعاجِزِينَ أي: مثبطين يثبطون الناس عن الإيمان بالقرآن وأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص أَلِيمٌ بضم الميم وكذلك في الجاثية جعلاه من نعت العذاب يعني: عذاب أليم من رجز على معنى التقديم. يعني: عذاب شديد. وقرأ الباقون: بالكسر فيكون صفة للرجز يعني: عذاب من العذاب الأليم.
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٦ الى ٩]
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)
ثم قال عز وجل: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ يعني: أي: يعلم الذين أوتوا العلم. وهذا روي في قراءة ابن مسعود: يعني به مؤمني أهل الكتاب يعني: إنهم يعلمون أن الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني: القرآن هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي يعني: يدعو ويدل إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ يعني: إلى طريق الرب العزيز بالنقمة لمن لم يجب الرسل الحميد في فعاله.
قوله عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: كفار أهل مكة هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يعني: قال بعضهم لبعض هل ندلكم على رجل يُنَبِّئُكُمْ يعني: يخبركم إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ يعني: يخبركم أنكم إذا متم وتفرقتم في الأرض، وأكلتكم الأرض كل ممزق، يعني:
وكنتم تُرَابًا إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ يعني: بعد هذا كله صرتم خلقاً جديداً.
قوله عز وجل: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني: قالوا: إن الذي يقول إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ اختلق على الله كذباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ يعني: به جنون.
يقول الله: بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ هم كذبوا حين كذبوا بالبعث فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ يعني: هم في العذاب في الآخرة. والخطأ الطويل في الدنيا عن الحق.
ثم خوفهم ليعتبروا فقال عز وجل: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لأن الإنسان حيثما نظر، رأى السماء والأرض. قال قتادة: إن نظرت عن يمينك أو عن شمالك، أو بين يديك أو من خلفك رأيت السماء والأرض إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ يعني: تغور بهم وتبتلعهم الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ يعني: جانباً من السماء. قرأ حمزة والكسائي: إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ أو يسقط الثلاثة كلها بالياء. وقرأ الباقون:
كلها بالنون. فمن قرأ بالياء: فمعناه إن يشأ الله. ومن قرأ بالنون فهو على معنى الإضافة إلى نفسه.
ثم قال عز وجل: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني: لعبرة لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني: مقبل إلى طاعة الله عَزَّ وَجَلَّ. ويقال: مخلص القلب بالتوحيد. ويقال: مشتاق إلى ربه. ويقال:
بحر العلوم
أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي