ولما ذكر تعالى الدليل على كونه عالم الغيب وكونه مجازياً على السيئات والحسنات، ذكر دليلاً آخر فيه التهديد والتوحيد بقوله تعالى : أفلم يروا أي : ينظروا إلى ما بين أيديهم أي : أمامهم وما خلفهم وذلك إشارة إلى جميع الجوانب من كلا الخافقين فقوله تعالى من السماء والأرض دليل التوحيد فإنهما يدلان على الوحدانية، ويدلان على الحشر والإعادة لأنهما يدلان على كمال القدرة لقوله تعالى أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ( يس، ٨١ ) وأما دليل التهديد فقوله تعالى إن نشأ أي : بما لنا من العظمة نخسف بهم الأرض أي : كما فعلنا بقارون وذويه لأنه ليس نفوذ بعض أفعالنا فيه بأولى من غيره أو نسقط عليهم كسفاً أي : قطعاً من السماء فنهلكهم بها، وقرأ حفص بفتح السين والباقون بسكونها.
تنبيه : في قوله تعالى أفلم يروا الرأيان المشهوران قدره الزمخشري أفعموا فلم يروا وغيره يدعي أن الهمزة مقدمة على حرف العطف، وقوله من السماء بيان للموصول فيتعلق بمحذوف، ويجوز أن يكون حالاً فيتعلق به أيضاً قيل : وثم حال محذوفة تقديره : أفلم يروا إلى كذا مقهوراً تحت قدرتنا أو محيطاً بهم فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم لا يخرجون من أقطارها، وأنا القادر عليهم وقرأ حمزة والكسائي إن يشأ يخسف بهم الأرض أو يسقط بالياء في الثلاثة كقوله تعالى افترى على الله كذباً ( الأنعام : ٢١ ) والباقون بالنون، وأدغم الكسائي الفاء في الباء وأظهرها الباقون إن في ذلك أي : فيما ترون من السماء والأرض لآية أي : علامة بينة تدل على قدرتنا على البعث لكل عبد أي : متحقق أنه مربوب ضعيف مسخر لما يراد منه منيب أي : فيه قابلية الرجوع إلى ربه بقلبه.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني