ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ

وبعد ما وصف كتاب الله جملة من أحوال المكذبين الضالين، وما يتعرضون له من شقاء في الدنيا وعذاب يوم الدين، استأنف كتاب الله دعوته المثلى، بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فوجه الخطاب إلى كل إنسان عنده بصر وبصيرة، ليتفكر ويتدبر في ظواهر الكون الفسيح المحيط به، حتى يتكون عنده شيء من العلم بتلك الظواهر، فيسخرها وينتفع بها، وينطلق منها إلى الإيمان بوجود خالقها ووحدانيته، والاعتراف بقدرة مبدعها وحكمته، والاقرار بوجوب طاعته وعبادته، وذلك قوله تعالى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها، ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها، وغرابيب سود( ٢٧ ) ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك، إنما يخشى الله من عباده العلماء، إن الله عزيز غفور( ٢٨ ) ، ففي هذه الآيات الكريمة دعوة من الله للإنسان، أيا كان، إلى أن يستعمل حواسه وعقله، في تتبع واستقراء كل ما يراه حوله، عسى أن يستخلص النتائج والعبر من ذلك الاستقراء، للارتفاع إلى مصاف العلماء.
وقد أبرز كتاب الله في هذه الآيات بالخصوص ظاهرة اختلاف الألوان، في الحيوان والإنسان، والجماد والنبات :
فبالنسبة لألوان النبات نجد قوله تعالى : فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها .
وبالنسبة لألوان الجماد نجد قوله تعالى : ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود .
وبالنسبة لألوان الإنسان والحيوان نجد قوله تعالى : ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك .
وسبق في سورة ( الروم ) قوله تعالى( ٢١ ) : ومن -آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين .
وواضح أن من استعرض في صعيد واحد نماذج من جميع أصناف الإنسان والحيوان، المنتشرة في أطراف العالم، أو استعرض نماذج من جميع أنواع النبات وأصناف الثمرات، التي تزخر بها الطبيعة، ولاحظ ما بينها من تفاوت في الألوان والسمات، وتفاوت في نفس اللون الواحد الذي تختلف فيه الدرجات، لرأى العجب العجاب، مما تحار فيه الألباب، وكذلك الأمر عندما يستعرض الإنسان أنواع الأحجار والصخور والجبال، وما هي عليه من ألوان تبهر الخيال، وتمثل الجمال والجلال، فيرى إلى أي حد تتصرف قدرة الله الكبير المتعال.
ولفظ ( الجدد ) في قوله تعالى هنا : ومن الجبال جدد ، جمع ( جدة )، وتطلق على الجزء من الشيء الواحد، إذا كان لونه يخالف لون الباقي، وواضح أن شعاب الجبال وثناياها يختلف لون بعضها عن بعض، فتزداد تنوعا وتألقا، يقال :( طريق مجدود ) أي طريق مسلوك، و( الجادة ) وسط الطريق.
ولفظ ( الغرابيب ) في قوله تعالى هنا : غرابيب سود ، جمع ( غربيب )، أي شديد السواد، تشبيها بلون الغراب الأسود.
ولفظ العلماء ، في قوله تعالى : إنما يخشى الله من عباده العلماء ، لا يقتصر على أهل الفقه والأثر، الذين ورثوا ( العلم النبوي الشريف ) فكانوا أمناء على تبليغه ونشره، بل يشملهم ويشمل كل من نال حظا من العلم- ولاسيما العلم بأسرار الكون وحقائق الطبيعة - فسخره لخير الإنسان، وجعله معراجا للدخول في حظيرة الإيمان، والتحق بركب الصالحين من ( عباد الرحمان )، والمراد( بالخشية )هنا تلك الحالة النفسية والروحية التي تهز كيان المؤمن، فتجعله يقبل على الله من كل قلبه، ويتهيب الإقدام على معصية ربه، ولا ينبغي أن يفهم من قوله تعالى : إنما يخشى الله من عباده العلماء ، أن الخشية لا تكون إلا من عالم منتصب لنشر العلم، إذ كثير من المؤمنين، غير العلماء المنتصبين، يخشون الله، لأن عندهم حظا من العلم بالله، وإنما المراد أن الخشية على وجهها الصحيح الكامل لا يتصف بها إلا العالم الكامل، قال ابن كثير :( كلما كانت المعرفة به أتم، والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر ) وقال القشيري :( من فقد العلم بالله فلا خشية له من الله )، وقال الربيع بن أنس :( من لم يخش الله تعالى فليس بعالم ).
وقوله تعالى تعقيبا على ذلك : إن الله عزيز غفور( ٢٨ ) ، إشارة إلى أنه بوصفه ( عزيزا )، سيعامل المسيء بمقتضى ( العزة )، وبوصفه( غفورا ) سيعامل المحسن بمقتضى( المغفرة ).

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير