ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ

(بِالْحَقِّ) وهو الإيمان بالله وشرائع الدين التي افترضها على عباده (بَشِيرًا) يقول: مبشرًا بالجنة من صدقك وقبل منك ما جئت به من عند الله من النصيحة (وَنَذِيرًا) تنذر الناس مَن كذبك ورد عليك ما جئت به من عند الله من النصيحة (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) يقول: وما من أمة من الأمم الدائنة بملة إلا خلا فيها من قبلك نذير ينذرهم بأسنا على كفرهم بالله.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) كل أمة كان لها رسول.
وقوله (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يقول تعالى ذكره مسليًا نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فيما يلقى من مشركي قومه من التكذيب: وإن يكذبك يا محمد مشركو قومك فقد كذب الذين من قبلهم من الأمم الذين جاءتهم رسلهم بالبينات، يقول: بحجج من الله واضحة، وبالزبر يقول: وجاءتهم بالكتب من عند الله.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ) أي: الكتب.
وقوله (بِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) يقول: وجاءهم من الله الكتاب المنير لمن تأمله وتدبره أنه الحق.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) يضعف الشيء وهو واحد.
وقوله (ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) يقول تعالى ذكره: ثم أهلكنا الذين جحدوا رسالة رسلنا، وحقيقة ما دعوهم إليه من آياتنا وأصروا على جحودهم (فَكَيْفَ كَانَ نَكِير) يقول: فانظر يا محمد كيف كان تغييري بهم وحلول عقوبتي بهم.
القول في تأويل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ

صفحة رقم 460

مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) }
يقول تعالى ذكره: ألم تر يا محمد أن الله أنزل من السماء غيثًا فأخرجنا به ثمرات مختلفًا ألوانها: يقول: فسقيناه أشجارًا في الأرض فأخرجنا به من تلك الأشجار ثمرات مختلفا ألوانها؛ منها الأحمر ومنها الأسود والأصفر، وغير ذلك من ألوانها (وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ) يقول تعالى ذكره: ومن الجبال طرائق، وهي الجدد، وهي الخطط تكون في الجبال بيض وحمر وسود، كالطرق واحدتها جدة، ومنه قول امرىء القيس في صفة حمار:

كأنَّ سَرَاتَهُ وَجُدَّةَ مَتْنِهِ كَنَائِنُ يَجْرِي فَوْقَهُنَّ دَلِيصُ (١)
يعني بالجدة: الخطة السوداء تكون في متن الحمار.
وقوله (مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا) يعني: مختلف ألوان الجدد (وَغَرَابِيبُ سُودٌ) وذلك من المقدم الذي هو بمعنى التأخير، وذلك أن العرب تقول: هو أسود غربيب، إذا وصفوه بشدة السواد، وجعل السواد ها هنا صفة للغرابيب.
(١) البيت لامرئ القيس (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا، طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده ص ١٢٧) وفيه "ظهره" في موضع "متنه". و"بينهن" في موضع "فوقهن". قال شارحه: سراته: ظهره. والجدة: الخط الذي وسط الظهر. والكنائن: جعاب السهام، من جلد أو خشب، والدليص: ماء الذهب. شبه الخط الذي على ظهر الحمار في بريقه ولونه، بجعاب مذهبه، مع بريق جلدها وإملاسه. ا. هـ. واستشهد به مؤلف عند قوله تعالى: (ومن جبال جدد بيض وحمر) على أن معنى الجدد: الخطط تكون في الجبال: بيض وحمر وسود وحمر كالطرق، واحدها جدة، وأنشد بيت امرئ القيس كرواية المؤلف. ثم قال: والجدة: الخطة السوداء في متن الحمار. وقال الفراء: يقال: أدلصت الشيء ودلصته: إذا برق. فكل شيء يبرق نحو المرآة والذهب والفضة، فهو دليص.

صفحة رقم 461

وقوله (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ) كما من الثمرات والجبال مختلف ألوانه بالحمرة والبياض والسواد والصفرة، وغير ذلك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا) أحمر وأخضر وأصفر (وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ) أي: طرائق بيض (وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا) أي: جبال حمر وبيض (وَغَرَابِيبُ سُودٌ) هو الأسود يعني لونه كما اختلف ألوان هذه اختلف ألوان الناس والدواب والأنعام كذلك.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ) طرائق بيض وحمر وسود، وكذلك الناس مختلف ألوانهم.
حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال: ثنا مروان، عن جويبر عن الضحاك قوله (وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ) قال: هي طرائق حمر وسود.
وقوله (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) يقول تعالى ذكره: إنما يخاف الله فيتقي عقابه بطاعته العلماء، بقدرته على ما يشاء من شيء، وأنه يفعل ما يريد، لأن من علم ذلك أيقن بعقابه على معصيته؛ فخافه ورهبه خشية منه أن يعاقبه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني علي قال: ثنا عبد الله قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير.

صفحة رقم 462

جامع البيان في تأويل آي القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري

تحقيق

أحمد شاكر

الناشر مؤسسة الرسالة
الطبعة الأولى، 1420 ه - 2000 م
عدد الأجزاء 24
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية