وقالوا بعد دخولهم الجنة : الحمدُ لله الذي أذْهَبَ عنا الحزَن خوف النار، أو : خوف الموت، أو : الخاتمة، أو : هَم الرزق. والتحقيق : أنه يعم جميع الأحزان والهموم، دنيوية أو أخروية، وعن ابن عمر : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة، في قبورهم، ولا في محشرهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم، وهم ينفضون التراب عن وجوههم، فيقولون : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن(١) ". إِنَّ ربنا لغفور شكور يغفر الجنايات، وإن كثرت، ويقبل الطاعات، ويشكر عاملها، وإن قلَّت.
قلت : وهذا النوع من المتوجهين غلب عليه سُكْر المحبة، ودهش العشق، فادعى قوة الربوبية، وطلب إدراك الألوهية، ونسي ضعف عبوديته، فكان ظالماً لنفسه، من هذا المعنى ؛ إذ العبودية لا تطيق إدراك كنه الربوبية. ولو أنه طلب الوصول إليه من جهة فقره، وضعفه، لكان مقتصداً، ولو أنه طلب الوصول إلى الله بالله لكان سابقاً. فالأقسام الثلاثة تجري في المتوجهين ؛ فالظالم لنفسه : مَن غلب سُكْره على صحوه في بدايته، والمقتصد مَن غلب صحوه على سُكْره في بداية سيره، والسابق مَن اعتدل سُكره مع صحوه في نهايته أو سيره.
أو الظالم : السالك المحض، والمقتصد : المجذوب المحض، والسابق : الجامع بينهما ؛ إذ هو الذي يصلح للتربية. أو الظالم : الذي ظاهره خيرٌ من باطنه، والمقتصد : الذي استوى ظاهره وباطنه، والسابق : هو الذي باطنه خير من ظاهره.
وعن عليّ ـ كرّم الله وجهه ـ : الظالم : الآخذ بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، والمقتصد : الآخذ بأقواله وأفعاله، والسابق : الآخذ بأقواله وأفعاله وأخلاقه. وقال القشيري : ويقال الظالم : مَن غلبت زلاَّته، والمقتصد : مَن استوت حالاته، والسابقُ : مَن زادت حسناته. أو : الظالمُ : مَنْ زهد في دنياه، والمقتصدُ : مَن رغب في عقباه، والسابق : مَن آثر على الدارين مولاه. أو : الظالم مَن نَجَمَ كوكبُ عقله، والمقتصد : مَن طَلَعَ بدرُ عِلْمه، والسابق : مَن ذَرَّت شمسُ معرفته. أو : الظالم : مَن طلبه، والمقتصد : مَن وجده، والسابق : مَن بقي معه. أو : الظالم : مَن ترك الزلة، والمقتصد : مَن ترك الغفلة، والسابق : مَن ترك العلاقة.
أو : الظالم : مَن جاد بنفسه، والمقتصد : مَن لم يبخل بقلبه، والسابق : مَن جاد بروحه. أو : الظالم : مَن له علم اليقين، والمقتصد : مَن له عين اليقين، والسابق : مَن له حق اليقين. أو : الظالم : بترك الحرام، والمقتصد : بترك الشُّبهة، والسابق : بترك الفضل في الجملة.
أو : الظالم : صاحب سخاء، والمقتصد : صاحب جود، والسابق : صاحب إيثار. أو : الظالم : صاحب رجاء، والمقتصد : صاحب بسط، والسابق : صاحب أُنس. أو : الظالم : صاحب خوف، والمقتصد : صاحب خشية، والسابق : صاحب هيبة. أو : الظالم له المغفرة، والمقتصد : له الرحمة، والسابق : له القُربة، أو : الظالم : طالب النجاة، والمقتصد : طالب الدرجات، والسابق : طالب المناجاة. أو : الظالم : أمن من العقوبة، والمقتصد : طالب المثوبة، والسابق : متحقق بالقربة. أو : الظالم : صاحب التوكُّل، والمقتصد : صاحب التسليم، والسابق : صاحب التفويض، أو : الظالم : صاحب تواجد، والمقتصد : صاحب وجد، والسابق : صاحب وجود ـ غير محجوب عنه البتة ـ. أو : الظالم : مجذوب إلى فعله، والمقصد مكاشفٌ بوصفه، والسابق : مستهلك في حقه، الذي هو وُجُودُه. أو : الظالم : صاحب المحاضرة، والمقتصد : صاحب المكاشفة، والسابق : صاحب المشاهدة. وبعضهم قال : يراه الظالم في الآخرة في كل جمعة، والمقتصد : في كل يوم مرة، والسابق : غير محجوبٍ عنه أَلْبتة. هـ باختصار.
والتحقيق : أن الأقسام الثلاثة تجري في كل من العارفين، والسائرين، والعلماء، والعُبّاد، والزهّاد، والصالحين ؛ إذ كل فن له بداية ووسط ونهاية. ذلك السبق إلى الله هو الفضل الكبير، جنات المعارف يدخلونها، يُحلَّون فيها من أساور من ذهب، وهي الأحوال، ولُؤلؤاً، وهي المقامات، ولباسهم فيها حرير، وهي خالص أعمال الشريعة ولُبها. وقالوا : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزَن ؛ إذ لا حزن مع العيان، ولا أغيار مع الأنوار، ولا أكدار مع الأسرار، ما تجده القلوب من الأحزان فَلِمَا مُنعت من العيان. ولابن الفارض رضي الله عنه في وصف الخمرة :وإن خَطَرتْ يوماً على خاطرِ امرئ أقامتْ بها الأفراحُ وارْتحَلَ الهَمُّ
وقال أيضاً :
إِنَّ ربنا لغفور بتغطية العيوب، شكور بكشف الغيوب، الذي أحلّنا دار المُقامة، هي التمكين في الحضرة، بفضله، لا بحول منا ولا قوة، لا يمسنا فيها نصب. قال القشيري : إذا أرادوا أن يَرَوْا مولاهم لا يحتاجون إلى قَطْعِ مسافةٍ، بل هم في غُرَفِهم يشاهدون مولاهم، ويلقون فيها تحيةَ وسلاماً، وإذا رأوه لا يحتاجون إلى تحديق مُقلةٍ من جهةٍ، كما هم يَرَوْنه بلا كيفية هـ. فما سَكَنَتْ والهمَّ يوماً بموضِعٍ، كذلك لم يَسْكُنْ مع النغم الغَمُّ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي