ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ

وَإِلَّا لَصَرَفَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ إِلَى دَفْعِ الْحَاجَةِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ الْأَسَاوِرُ مَحَلُّهَا الْأَيْدِي وَأَكْثَرُ الْأَعْمَالِ بِالْيَدِ فَإِنَّهَا لِلْبَطْشِ، فَإِذَا حُلِّيَتْ بِالْأَسَاوِرِ عُلِمَ الْفَرَاغُ وَالذَّهَبُ وَاللُّؤْلُؤُ إِشَارَةٌ إِلَى النوعين اللذين منهما الحلي. ثم قال تعالى:
[سورة فاطر (٣٥) : آية ٣٤]
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)
فِي الْحَزَنِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ إِذْهَابُ كُلِّ حَزَنٍ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْجِنْسِ وَاسْتِغْرَاقِهِ وَإِذْهَابِ الْحَزَنِ بِحُصُولِ كُلِّ مَا يَنْبَغِي وَبَقَائِهِ دَائِمًا فَإِنَّ شَيْئًا مِنْهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَكَانَ الْحَزَنُ مَوْجُودًا بِسَبَبِهِ وَإِنْ حَصَلَ وَلَمْ يَدُمْ لَكَانَ الْحَزَنُ غَيْرَ ذَاهِبٍ بَعْدُ بِسَبَبِ زَوَالِهِ وَخَوْفِ فَوَاتِهِ، وَقَوْلُهُ: إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أُمُورًا كُلُّهَا تُفِيدُ الْكَرَامَةَ مِنَ اللَّهِ الْأَوَّلُ: الْحَمْدُ فَإِنَّ الْحَامِدَ مُثَابٌ الثَّانِي: قَوْلُهُمْ (رَبَّنَا) فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا وَاسْتَجَابَ لَهُمْ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُنَادِي قَدْ ضَيَّعَ الْوَقْتَ الْوَاجِبَ أَوْ طَلَبَ مَا لَا يَجُوزُ كَالرَّدِّ إِلَى الدُّنْيَا من الآخرة الثالث: قولهم: (غفور)، الرَّابِعُ: قَوْلُهُمْ: شَكُورٌ وَالْغَفُورُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا غَفَرَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ بِمَا وَجَدَ لَهُمْ مِنَ الْحَمْدِ فِي الدُّنْيَا، وَالشَّكُورُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يُعْطِيهِمْ وَيَزِيدُ لَهُمْ بِسَبَبِ مَا وَجَدَ لهم في الآخرة من الحمد.
[سورة فاطر (٣٥) : آية ٣٥]
الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥)
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ أَيْ دَارَ الْإِقَامَةِ، لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ سُرُورَهُمْ وَكَرَامَتَهُمْ بِتَحْلِيَتِهِمْ وَإِدْخَالِهِمُ الْجَنَّاتِ بَيَّنَ سُرُورَهُمْ بِبَقَائِهِمْ فِيهَا وَأَعْلَمَهُمْ بِدَوَامِهَا حَيْثُ قَالُوا: الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ أَيِ الْإِقَامَةِ وَالْمَفْعُولُ رُبَّمَا يَجِيءُ لِلْمَصْدَرِ مِنْ كُلِّ بَابٍ يُقَالُ مَا لَهُ مَعْقُولٌ أَيْ عَقْلٌ، وَقَالَ تَعَالَى: مُدْخَلَ صِدْقٍ [الْإِسْرَاءِ: ٨٠] وَقَالَ تَعَالَى: وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [سَبَأٍ: ١٩] وَكَذَلِكَ مُسْتَخْرَجٌ لِلِاسْتِخْرَاجِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ هُوَ الْمَفْعُولُ فِي الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي فُعِلَ فَجَازَ إِقَامَةُ الْمَفْعُولِ مَقَامَهُ وَفِي قَوْلِهِ: دارَ الْمُقامَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الدُّنْيَا مَنْزِلَةٌ يَنْزِلُهَا الْمُكَلَّفُ وَيَرْتَحِلُ عَنْهَا إِلَى مَنْزِلَةِ الْقُبُورِ وَمِنْهَا إِلَى مَنْزِلَةِ/ الْعَرْصَةِ الَّتِي فِيهَا الْجَمْعُ وَمِنْهَا التَّفْرِيقُ. وَقَدْ تَكُونُ النَّارُ لِبَعْضِهِمْ مَنْزِلَةً أُخْرَى وَالْجَنَّةُ دَارَ الْمُقَامَةِ، وَكَذَلِكَ النَّارُ لِأَهْلِهَا وَقَوْلُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أَيْ بِحُكْمِ وَعْدِهِ لا بإيجاب من عنده.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ اللُّغُوبُ الْإِعْيَاءُ وَالنَّصَبُ هُوَ السَّبَبُ لِلْإِعْيَاءِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إِذَا بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ عُلِمَ أَنَّهُ لا يمسهم فيها لغوب وَلَا يَنْفِي الْمُتَكَلِّمُ الْحَكِيمُ السَّبَبَ، ثُمَّ يَنْفِي مُسَبِّبَهُ بِحَرْفِ الْعَطْفِ فَلَا يَقُولُ الْقَائِلُ لَا أَكَلْتُ وَلَا شَبِعْتُ أَوْ لَا قُمْتُ وَلَا مَشَيْتُ وَالْعَكْسُ كَثِيرٌ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَا شَبِعْتُ وَلَا أَكَلْتُ لِمَا أَنَّ نَفْيَ الشِّبَعِ لَا يَلْزَمُهُ انْتِفَاءُ الْأَكْلِ وَسِيَاقُ مَا تَقَرَّرَ أَنْ يُقَالَ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا إِعْيَاءٌ وَلَا مَشَقَّةٌ، فنقول ما قال اللَّهُ فِي غَايَةِ الْجَلَالَةِ وَكَلَامُ اللَّهِ أَجَلُّ وَبَيَانُهُ أَجْمَلُ، وَوَجْهُهُ هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ مُخَالَفَةَ الْجَنَّةِ لِدَارِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الدُّنْيَا أَمَاكِنُهَا عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَوْضِعٌ نَمَسُّ فِيهِ الْمَشَاقَّ وَالْمَتَاعِبَ كَالْبَرَارِيِّ وَالصَّحَارِي وَالطُّرُقَاتِ وَالْأَرَاضِي وَالْآخَرُ: مَوْضِعٌ يَظْهَرُ فِيهِ الْإِعْيَاءُ كَالْبُيُوتِ وَالْمَنَازِلِ الَّتِي فِي الْأَسْفَارِ مِنَ الْخَانَاتِ فَإِنَّ مَنْ يَكُونُ فِي مُبَاشَرَةِ شُغْلٍ لَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ الْإِعْيَاءُ إِلَّا بعد ما يَسْتَرِيحُ فَقَالَ تَعَالَى: لَا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ أَيْ لَيْسَتِ الْجَنَّةُ كَالْمَوَاضِعِ الَّتِي فِي الدُّنْيَا مَظَانَّ الْمَتَاعِبِ بَلْ هِيَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي هِيَ مَوَاضِعُ مَرْجِعِ الْعَيِّ، فَقَالَ: وَلا

صفحة رقم 241

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية