نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٣:وتعريفا بحسن العاقبة التي يؤول إليها أمر المصطفين الأخيار، وما ينتظرهم من فضله الكبير عند الانتقال من هذه الدار إلى تلك الدار، قال تعالى : جنات عدن يدخلونها، يحلون فيها من أساور، من ذهب ولؤلؤا، ولباسهم فيها حرير( ٣٣ ) وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور( ٣٤ ) الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب( ٣٥ ) ، والبدء بقوله تعالى : جنات عدن ، قبل قوله، يدخلونها ، يؤدي معنى لطيفا : والمسارعة والمبادرة إلى تبشيرهم بحسن مصيرهم، فيفاجئون بما هو سار، من الأخبار، إذ ما أعظم الفرق بين دخول الجنة ودخول النار.
وقوله تعالى : يحلون فيها من أساور ، الآية، يشعر بأن الجنة ليست دار تكليف وابتلاء، وإنما هي دار نعيم مقيم وسعادة وهناء، ولذلك تكون أيدي المنعم عليهم محلاة بالأساور، المرصعة باللآلئ والجواهر، ويزيد هذا المعنى توضيحا قوله تعالى على لسانهم في نفس السياق : لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ، أي : لا يصيبهم فيها تعب، ولا يلحقهم فيها إعياء، لأنهم معفون في الآخرة من جميع التكاليف والأعباء.
وكما ورد هنا قوله تعالى : يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير سبق في الآية الثالثة والعشرين من سورة الحج نفس النص ونفس النظير، وسيأتي في سورة الإنسان قوله تعالى ( ٢١ ) : وحلوا أساور من فضة ، إشارة إلى أن حلية المنعم عليهم كما تكون من ذهب تكون من فضة، حسب مقاماتهم ودرجاتهم في الجنة، ولله الفضل والمنة.
وقوله تعالى : وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ، تعبير عما أخذوا يحسون به من سكينة وطمأنينة، ورضا واستبشار، عند حلولهم بجنات عدن، فقد فارقتهم الأحزان كلها، ولا سيما الحزن الأكبر الناشئ عن خوف العاقبة، ومن أجل ذلك هاهم يحمدون الله ويسبحون بحمده، ولفظ ( الحزن )، الوارد في هذه الآية بفتح الحاء والزاي هو لغة في ( الحزن ) بضم الحاء وسكون الزاي.
وقوله تعالى حكاية عنهم : إن ربنا لغفور شكور، الذي أحلنا دار المقامة من فضله ، تعبير عما هم عليه من أدب مع الله، وإعلان ( للاعتراف بفضله سبحانه، إذ هو الغفور الذي يغفر السيئات ولو كثرت، وهو الشكور الذي يثيب على الحسنات ولو قلت، وفيه كذلك تنبيه إلى أن الدنيا إنما هي دار مرور وعبور، وأن الآخرة هي دار القرار، لأنها دار الإقامة الدائمة والاستقرار. قال فخر الدين الرازي تعليقا على هذه الآيات الكريمة :( كما هدى الله المؤمن في الدنيا هداه في العقبى، حتى دعاه بأقرب دعاء إلى الإجابة، وأثنى عليه بأطيب ثناء عند الإنابة، فقالوا : الحمد لله ، وقالوا : إن ربنا لغفور ، اعترافا بتقصيرهم، وقالوا شكور ، إقرارا بوصول ما لم يخطر ببالهم إليهم، وقالوا : أحلنا دار المقامة من فضله ، أي : لا عمل لنا بالنسبة إلى نعم الله ).
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري