قوله: أَرَأَيْتُمْ : فيها/ وجهان، أحدهما: أنها ألفُ استفهامٍ على بابِها، ولم تتضمَّنْ هذه الكلمةُ معنى أَخْبِروني، بل هو استفهامٌ حقيقيٌّ. وقوله: «أَرُوْني» أمرُ تَعْجيزٍ. والثاني: أنَّ الاستفهامَ غيرُ مُرادٍ، وأنها ضُمِّنَتْ معنى أَخْبروني. فعلى هذا تتعدَّى لاثنين، أحدُهما: «شركاءَكم»، والثاني: الجملةُ الاستفهاميةُ مِنْ قولِه: «ماذا خَلَقوا». و «أَرُوْني» يُحتمل أَنْ تكونَ جملةً اعتراضيةً. الثاني: أَنْ تكونَ المسألةُ مِنْ بابِ الإِعمالِ، فإنَّ «أَرَأَيْتُمْ» يطلبُ «ماذا خَلَقُوا» مفعولاً ثانياً، و «أَرُوْني» أيضاً يطلبُه مُعَلِّقاً له، وتكونُ المسألةُ مِنْ بابِ إعمال الثاني على مختار البصريين، و «أَروني» هنا بَصَرِيَّةٌ تعدَّتْ للثاني بهمزةِ النقلِ، والبصَريةُ قبل النقلِ تُعَلَّقُ بالاستفهامِ
صفحة رقم 237
كقولِهم: «أما ترى أيُّ بَرْقٍ ههنا» ؟ وقد تقدَّم الكلامُ على «أَرَأَيْتُمْ» هذه في الأنعامِ مشبعاً. وقال ابنُ عطية هنا: «إنَّ أرأيتُمْ يَتَنَزَّلُ عند سيبويهِ مَنْزِلةَ أَخْبروني؛ ولذلك لا يَحْتاج إلى مَفْعولين». وهو غَلَطٌ بل يَحْتاجُ كما تقدَّم تقريرُه. وجَعَلَ الزمخشريُّ الجملةَ مِنْ قولِه: «أَرُوْني» بدلاً مِنْ قولِه «أَرَأَيْتُمْ» قال: «لأنَّ معنى أَرَأَيْتُمْ أَخْبروني». وردَّه الشيخ: بأنَّ البدلَ مِمَّا دَخَلَتْ عليه أداةُ الاستفهامِ يَلْزَم إعادتُها في البدلِ ولم تُعَدْ هنا. وأيضاً فإبدالُ جملةٍ مِنْ جملةٍ لم يُعْهَدْ في لسانِهم.
قلت: والجوابُ عن الأولِ: أنَّ الاستفهامَ فيه غيرُ مرادٍ قطعاً فلم تَعُدْ أداتُه لعدمِ إرادتِه. وأمَّا قولُه: «لم يُوْجَد في لسانِهم» فقد وُجِدَ. ومنه:
| ٣٧٧٠ - متى تَأْتِنا تُلْمِمْ بنا............... | ............................ |
| إنَّ عليَّ اللَّهَ أن تُبايِعا | تُؤْخَذَ كَرْهاً........................ |
قوله: فَهُمْ على بَيِّنَةٍ الضميرُ في «آتَيْناهم» و «فهم» الأحسنُ أَنْ يعودَ على الشركاء لتتناسَقَ الضمائرُ. وقيل: يعودُ على المشركين، فيكونُ التفاتاً مِنْ خطابٍ إلى غَيْبة.
وقرأ أبو عمروٍ وحمزةُ وابن كثير وحفصٌ «بَيِّنَةٍ» بالإِفراد. والباقون «بَيِّناتٍ» بالجمع. و «إنْ» في «إنْ يَعِدُ» نافيةٌ. صفحة رقم 239
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط