قوله : إِذْ أَرْسَلْنَآ بدل من «إذ » الأولى١، كأنه قال : اضْرب لهم مثلاً إذ أرسلنا إلى أصحاب القرية اثنين. قال ابن الخطيب : والأصح الأوضح أن يكون «إذا » ظرفاً والفعل الواقع فيه «جَاءَها »، أي جاءها المرسلون حينَ أرْسَلْنَاهُمْ إلَيْهِمْ٢.
وإنما جاءوهم حيث أمروا. وهذا فيه لطيفة أخرى وهي أن في القصة أن الرسلَ كانوا مبعوثين من جهة عيسى - عليه ( الصلاة٣ و ) السلام- أرسلهم إلى أنطاكية فقال تعالى : إرسال عيسى ( عليه٤ السلام- ) هو إرسالنا رسول رسول الله بإذن الله فلا يقع لك يا محمد أن أولئك كانوا رُسُلَ الرسل وإنما هم رُسُلُ الله، فإن تكذيبهم كتكذيبك فتتم التسلية بقوله : إِذْ أَرْسَلْنَآ . ويؤيد هذا مسألة فِقْهِيَّةٌ وهي أن وَكيلَ الوكيل بإذن الموكل وَكيلُ المُوَكّل لا وكيل الوكيل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه وينعزل إذا عزله الموكل ( الأول )٥. وهذا على٦ قولنا :«واضرب لهم مثلاً » ضرب المثل لأجل محمد - عليه الصلاة والسلام - ظاهر وقوله :«إذ أرسلنا إليهم اثنين » في بعثة٧ الاثْنَيْنِ حكمةٌ بالغة وهي أنهما٨ كانا مبعوثين٩ من جهة عيسى عليه ( الصلاة١٠ و ) السلام- ( بإذن الله فكان عليهما إنهاء الأمر إلى عيسى عليه الصلاة والسلام )١١ فهو بشر فأمره الله بإرسال اثنين ليكون قَوْلُهُمَا على قومهما عند عيسى حجَّةً تامة١٢.
فصل
قال ابن كثير : وروى ابن إسحاق عن ابن عباس وكعب الأحْبار ووهب بن منبّه ورُوِيَ عن بُريدةَ بْنِ الحصيب وعكرمة وقتادة والزهري أن هذه القرية أنطاكية وكان اسم ملكها انطيخش، وكان يعبد الأصنام فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل وهم صَادِق وصَدُوق وسلومُ فكذبهم وهذا ظاهر ( ه )١٣ أنهم رسل الله - عز وجل - وزعم قتادة أنهم كانوا رسلاً من عند المسيح وكان١٤ اسم الرسولين الأولين شمْعون ويوحَنّا واسم الثالث بُولص١٥ والقرية أنطاكية. وهذا القول ضَعِيف جداً ؛ لأن أهل أنطاكية لما بَعث إليهم المسيحُ ثلاثةً من الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت، ولهذا كانت إحدى المدن الأربع التي تكون فيها مباركة النصارى وهي أنطاكية والقدس واسكندرية رومية، ثم بعدها قسطنطينية، ولم يهلكوا ( إذ )١٦ أهل هذه القرية المذكورة في القرآن أهلكوا لقول الله تعالى : إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ [ يس : ٢٩ ] لكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورة في القرآن بعثوا لأهل١٧ أنطاكية قديماً فكذبوهم فأهلكهم الله ثم عُمِّرت بعد ذلك فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله فيجوز. والله أعلم.
قوله : فَعَزَّزْنَا قرأ أبو بكر بتخفيف الزاي بمعنى غَلَبْنا، ومنه : وَعَزَّنِي فِي الخطاب [ ص : ٢٣ ] ومنه قولهم : عَزَّ وبَزَّ١٨ أي صا له بَزّ.
والباقون بالتشديد بمعنى قَوَّيْنَا١٩، يقال : عَزَّز المَطَرُ الأَرْضَ أي قواها ولَبدها، ويقال لِتِلْكَ الأرْضِ العَزاء وكذا كل أرض صُلْبَة. وتعَزَّزَ لَحْمُ النَّاقَة أي صلُبَ وقَوِيَ٢٠. وعلى كلتا القراءتين المفعول محذوف٢١ أي فَقَوّيناهما ( أو فغلبناهما بثالث )٢٢ ؛ لأن المقصود من البعثة نُصرة الحق، لا نصرتهما، والكل كانوا مقوين للدين والبرهان.
وقرأ عبد الله٢٣ «بالثُّالثِ » بألفٍ ولام٢٤.
قوله : إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُون جرد خبر «إنّ » هذه من لام التوكيد، وأدخلها في خبر الثانية، لأنهم في الأولى استكملوا مجرد الإنكار فقابلتهم الرسل بتوكيد واحد وهو الإتيان ب «إنَّ » وفي الثانية بالَغُوا في الإنكار فقابلتهم ( الرسل ) بزيادة التأكيد، فأتوا ب «إنَّ » وب «اللاَّم ».
قال أهل البيان : الأخبار ثلاثة أقسام : ابتداءٌ وطلبيُّ وإنكاريُّ.
فالأول :( يقال )٢٥ لمن لم يتردد في نسبة أحد الطرفين إلا الآخر نحو : زَيْدٌ عَارَفٌ.
والثاني : لمن هو متردد في ذلك طالبٌ له منكِرٌ له بعض إنكار فيقال له : إنَّ زَيْداً عَارِفٌ.
والثالث : لمن يبالغ في إنكاره فيقال له : إنَّ زَيْداً لَعاَرِفٌ٢٦. ومن أحسن ما يحكى أن رجلاً جاء إلى أبي العباس٢٧ الكِنْديِّ فقال : يا أبا العباس : إني لأجدُ في كلام العرب حشواً. قال : وما ذاك ؟ قال : يقولون زُيْدٌ قَائِمٌ، وإنَّ زَيْداً لَقَائمٌ، فقال : كلاَّ، بل المعاني مختلفة، «فعبد الله قائم » إخبار بقيامه، و «إنَّ عبد الله قائمٌ » جواب لسؤال سائل و «إنَّ عبد الله لقائمٌ » جواب عن إنكار مُنْكِر٢٨ وهذا هو الكندي الذي سئل أن يعارض القرآن ففتح المصحف فرأى سورة المائدة٢٩. وقال أبو حيان : وجاء أولاً «مرسلون » بغير لام، لأنه ابتداء إخْبار، فلا يحتاج إلى توكيد، وبعد المجاورة «لَمُرْسَلُونَ » بلام التوكيد، لأنه جواب عن إنكارٍ٣٠.
قال شهاب الدين :«وهذا قصور عن فهم ما قاله أهل البيان، فإنه جعل المقام الثاني - وهو الطلبي - مقام المقام الأول وهو الابتدائي »٣١.
٢ فيه أي لم يكن مجيئهم من تلقاء أنفسهم وإنما... الخ.... وانظر الرازي ٢٦/٥٠..
٣ زيادة من "ب"..
٤ سقط من "ب"..
٥ سقط من "ب"..
٦ في "ب" وعلى هذا قولنا..
٧ في "ب" بعثته..
٨ وفيها: إنما..
٩ وفيها: كانوا..
١٠ زيادة من "ب"..
١١ ما بين القوسين كله على العكس ساقط من "ب"..
١٢ انظر: تفسير الرازي ٢٦/٥١..
١٣ الهاء زيادة من "أ" الأصل..
١٤ في "ب" وأن اسم الرسولين الأولين بلفظ "أن". وانظر: تفسير الحافظ ابن كثير ٣/٥٦٦ و٥٦٧..
١٥ وفي "ب" يونس وانظر: زاد المسير لابن الجوزي ٧/١٠. وصادق وصدوق قول ابن عباس وكعب. ويوحنا وبولس قول وهب وتومان وبولس قول مقاتل. انظر: المرجع السابق وجامع البيان ٢٢/١٠١..
١٦ سقط من "ب"..
١٧ في "ب" إلى أنطاكية..
١٨ ذكر هذا المثال الميداني في مجمع أمثاله ٤/٢٨٢ أي من غلب سلب وانظر أيضا حجة ابن خالويه ٢٩٨ واللسان "عزز وبزز" ومعاني الزجاج ٤/٢٨٢..
١٩ في "ب" قريبا وهو تحريف..
٢٠ اللسان :"ع ز ز" ومجاز القرآن ٢/١٥٨..
٢١ هذا قول أبي البقاء في التبيان ١٠٧٩ ومكي في الكشف ٢/٢١٥٤..
٢٢ ما بين القوسين زيادة من "أ"..
٢٣ ابن مسعود رضي الله عنه وقد مر التعريف به..
٢٤ أول الفراء في "معاني القرآن" ثالث" بالثالث ورجحها. انظر: معانيه ٢/٢٧٣ ومختصر ابن خالويه ١٢٤ و ١٢٥ وهي شاذة..
٢٥ سقط من "ب"..
٢٦ قال السكاكي: "فكون التركيب تارة غير مكرر مجردا عن لام الابتداء وإن المشبهة والقسم ولامه ونوني التوكيد كنحو: زيد عارف وأخرى مكررا أو غير مجرد نحو عرفت عرفت ولزيد عارف، وإن زيدا عارف، وإن زيدا لعارف، والله لقد عرفت أو لأعرفن". انظر: مفتاح العلوم ٨٠ وإيضاح القزويني ١٦ ودلائل الإعجاز ٣٠٣ و ٣٠٤..
٢٧ هو يعقوب بن إسحاق بن الصباح ينتهي نسبه إلى كندة من قبائل العرب مات سنة ٢٥٢ هـ انظر: أعلام العرب ١٦ و ٤٢..
٢٨ في دلائل الإعجاز وإيضاح القزويني أن المتكلم بهذا هو المبرد عندما سأله الكندي المتفلسف فأجاب المبرد بما ذكره المؤلف أعلى. وانظر: دلائل الإعجاز والإيضاح السابقين..
٢٩ الدر المصون ٤/٥٠٠..
٣٠ البحر المحيط ٧/٣٢..
٣١ الدر المصون ٤/٥٠٠..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود