قوله : وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ أي أذهبنا أعينهم الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شِقٌّ وهو معنى الطَّمْس١، كقوله تعالى : وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ [ البقرة : ٢٠ ] يقول : إذا٢ أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة٣.
قوله : فاستبقوا عطف على «لَطَمَسْنَا » وهذا على سبيل الفَرْض والتقدير٤. وقرأ عيسى فَاسْتَبِقُوا أمراً٥. وهو على إضمار القول أي فيُقَالُ لَهُمْ اسْتَبقُوا٦ والصِّراط ظرف مكان مختص عند الجمهور فلذلك تأولوا وصول الفعل إليه إما بأنه مفعول ( به )٧ مجازاً جعله مستبقاً لا مُسْتَبَقاً إليه ويضمن استبقوا معنى بادروا وإما على حذف الجار أي إلى الصراط٨. وقال الزمخشري : منصوب على الظرف٩، وهو ماش على قول ابن الطراوة١٠ فإن الصراطَ والطريق ونحوهما ليست عنده مختصة١١ إلا أن سيبويه على أن قوله :
٤١٨٤- لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ. . . فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ١٢
ضرورة لنصبه الطريق.
وقرأ أبو بكر مَكَانَاتِهِمْ١٣ جمعاً، وتقدم في١٤ الأنعام. والعامة على «مُضِيًّا » بضم الميم وهو مصدر على فُعُولٍ أصله مُضُويٌ١٥ فأدغم وكُسِرَ ما قبل الياء ليصبح نحو :«لُقِيًّا »١٦. وقرأ أبو حيوة ورُويَتْ عن الكِسائيِّ مِضِيًّا ( أي )١٧ بكسر الميم إتباعاً لحركة العين١٨ نحو عِتِيّاً و صِلِيّاً [ مريم : ٦٩ - ٧٠ ] وقرئ بفتحها وهو من المصارد التي وردت على فعِيلٍ كالرِّسيم والزَّمِيلِ١٩.
فصل٢٠
المعنى كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة فاستبقوا الصراط فتبادروا إلى الطريق «فَأَنَّى يُبْصِرُونَ » كيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم يعني لو نشاء لأضللناهم عن الهُدَى وتركناهم عُمْياً يترددون فكيف يبصرون الطريق حنيئذ ؟ هذا قول الحسن، وقتادة، والسدي. وقال ابن عباس ومقاتل وعطاء وقتادة : معناه لو نشاء لَفَقَأنَا أعين ضلالتهم فأعميناهم عن غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى يبصرون ولم أفعل ذلك بهم.
٢ في البغوي كما..
٣ البغوي ٦/١٤..
٤ البحر المحيط ٧/٣٤٤ والدر المصون ٤/٥٣١..
٥ من الشواذ ذكرها البحر والدر المرجعان السابقان ومختصر ابن خالويه ١٢٦..
٦ البحر ٧/٣٤٤ والدر المصون ٤/٥٣١..
٧ سقط من ب..
٨ ذكر هذه الأقوال الكشاف ٣/٣٢٨ والبحر ٧/٣٤٤ والسمين في الدر المصون ٤/٥٣١ وذكر القول الأول النحاس في الإعراب ٤/٤٠٣..
٩ الكشاف ٣/٣٢٨..
١٠ أبو الحسن سليمان بن محمد سمع من الأعلم الكتاب كانت له آراء وانفرد بمسائل مخالفة عن العلماء انظر: نشأة النحو للمرحوم الشيخ الطنطاوي ١٩٦..
١١ نقلها عنه أبو حيان في البحر ٧/٣٤٤..
١٢ من تمام الكامل وهو لساعدة بن جؤية ويروى "لذ" بدل لدن واللدن اللين الناعم والعسلان: سير سريع في اضطراب وهو يشبه نفسه في السرعة والمهارة في استخدام الرمح بسير الثعلب والشاهد: "عسل الطريق" فإنه منصوب على نزع الخافض لا على الظرف عند سيبويه. قال سيبويه: "وقد قال بعضهم ذهبت الشام يشبهه بالمبهم. وهو شاذ لأنه ليس في مذهبه دليل على الشام". قال: "ومثل ذلك قول ساعدة" وأنشد البيت انظر: الكتاب ١/٣٥ و ٣٦ و ٢١٤ والهذليين ١/١٩٠، والكامل ١/٣٦٩، واللسان عسل والبحر ٧/٣٤٤ والخصائص ٣/٣١٩ والتصريح ١/٣١٢ والمغني ١١ و ٥٢٥ و ٥٧٦، والهمع ١/٢٠٠ و ٢/٨١ والأشموني ٢/٩١ و ٩٧ والشجري ١/٤٢ و ٢/٢٤٨ وشرح شواهد المغني للسيوطي ١٧ و ٨٨٥..
١٣ من المتواتر وهي رواية أبي بكر عن عاصم. انظر: إتحاف فضلاء البشر ٣٦٦ والسبعة ٥٤٢ والدر المصون ٤/٥٣٢ والكشاف ٣/٣٢٩. والمكانة والمكان بمعنى..
١٤ يقصد قوله: قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون الآية ٢٣٥ منها. فقرأ أبو بكر عن عاصم مكاناتكم وكذلك قرأ الحسن جمعا. وقال هناك: إن الميم من "مكانة" إما أن تكون أصلية وإما أن تكون زائدة أصلية في مكن يمكن وزائدة من الكون. انظر: اللباب ٣/٢١٧..
١٥ فقد اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون الأصلي فقلبت الواو ياء ثم أدغمتا في بعضهما..
١٦ كانت لقوي..
١٧ زيادة لا معنى لها من أ..
١٨ أوردها أبو حيان في البحر ٧/٣٤٤ والسمين في الدر ٤/٥٣٢..
١٩ المرجعان السابقان فتكون "مضيا" فيها لغات وقراءات ثلاث مُضيا وَمضيا ومِضيا..
٢٠ انظر هذا الفصل في معالم التنزيل للبغوي ٦/١٤..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود