ثم هددهم في دار الدنيا، فقال :
وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُواْ الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ * وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ .
يقول الحق جلّ جلاله : ولم نشاءُ لطَمَسْنَا على أعيُنِهِم اليوم، أي : أعميناهم وأذهبنا أبصارهم. والطمس : سد شق العين حتى تعود ممسوخة. فاستَبَقُوا الصِّرَاطَ على حذف الجار، وإيصال الفعل، أي : فاستبقوا إلى الطريق الذي اعتادوا سلوكه، وبادَروا إليه ؛ لِما يلحقهم من الخوف، فأنَّى يُبصرون فكيف يُبصرون حينئذ من جهة سلوكهم، فيضلون في طريقهم عن بلوغ أملهم.
قال القشيري : ومَن نُعَمِّرْهُ ننكِّسْه في الخلق : نرده إلى العكس، فكما كان يزداد في القوة، يأخذ في النقصان، إلى أن يبلغَ أرذلَ العُمر، فيصير إلى مثل حال الطفولية من الضعف، ثم لا يبقى بعد النقصان شيءٌ، كما أنشدوا١ :
وهذا في الجثة والمباني، دون الأحوال والمعاني، فإن الأحوال ـ في حق الجثة ـ في الزيادة إلى بلوغ حَد الخَرَفِ، فيَخْتَلُّ رأيُه وعَقْلُه. وأصحاب الحقائق تشيب ذوائبُهم، ولكنَّ محابَّهم ومعانيَهم في عنفوان شبابها، وطراوة جدَّتها. هـطوى العصران ما نشراه مني فأبلى جدتي نشرٌ وطي أراني كلَّ يومٍ في انتقاصٍ ولا يبقى مع النقصان شي
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي