ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ

فأهلكهم اللَّه يوم كذا إلا واحدا أو اثنين.
ويحتمل أن يكون ذلك في جميع مكذبيه ورادِّي رسالته ويتأسى أتباعه، ولا شك أن أكثر من بعث هو إليهم كانوا كذلك لهم في الآخرة أو في قوم خاص علم اللَّه أنهم لا يؤمنون أبدا؛ ألا ترى أنه قال على أثر ذلك: (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ).
ثم في قوله. (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ)، وقوله: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) نقض قول المعتزلة ورده عليهم؛ لأنه وعد - عَزَّ وَجَلَّ - أنه يملأ جهنم بمن ذكر، فيقال لهم: أراد أن يفي بما وعد أم لا؛ فإن قالوا: لم يرد، فيقال: أراد، إذن أن يخلف ما وعد وذلك [وخش من القول سرف].
وإن قالوا: أراد أن يفي بما وعد، لزمهم أن يقولوا: أراد أفعالهم التي فعلوا فيلزمهم قولنا، وباللَّه العصمة.
وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)
يحتمل أن يخرج على التمثيل، ويحتمل على التحقيق: فإن كان على التمثيل، فهو وصفه إياهم بالبخل، والكف عن الإنفاق على الفقراء والمساكين وأهل الحاجة من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وهو كقوله: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ)، نهاه عن البخل والكف عن الإنفاق كمغلول اليد لا يقدر على الإنفاق، ليس على إرادة غل اليد حقيقة ولكن على ترك الإنفاق؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ذلك وصفًا لهم بالبخل وترك الإنفاق عليهم.
وإن كان على حقيقة الغل والأعناق، يحتمل ما قاله أهل التأويل: إن أبا جهل - لعنه اللَّه - حلف لئن رأى محمدًا ليدمغنه، فأتاه أبو جهل وهو يصلي ومعه حجر، فرفع الحجر؛ ليدفع له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيبست يده إلى عنقه وألزق الحجر بيده، فلما رجع إلى أصحابه قال رجل: أنا أقتله، فأخذ الحجر، فلما دنا منه طمس اللَّه بصره، فلم ير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وسمع قراءته، فرجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه؛ فذلك قوله: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا... (٩)
ويحتمل أن يكون ذلك لهم في الآخرة إن كان على التحقيق؛ وهو كقوله: (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ)، وقوله: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ)، ونحو ذلك مما ذكر؛ فيكون قوله: (جَعَلْنَا)، أي: سنجعل ذلك لهم، وذلك جائز في الكلام؛ كقوله لعيسى حيث قال: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ)، أي: يقول له يوم القيامة، فهو بعيد غير

صفحة رقم 505

معقول؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من قوله: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا)، (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا...) إلى آخر ما ذكر في الآخرة، أي: سنجعل لهم في الآخرة ذلك.
ويحتمل أن يكون فعل ذلك لهم في الدنيا من قصدهم برسول اللَّه ما قصدوا، حتى لم يجدوا السبيل إليه لا من بين يديه ولا من خلفه ولا من جهة من الجهات.
أو أن يكون قوله: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) على التمثيل، أي: جعلنا بينهم وبين الحق سدًّا من أمام ومن خلف، فأغشينا أبصارهم فلا يبصرون الحق أبدًا، وذلك في القرآن كثير، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا).
إن الغل يكون طرفه في العنق، وطرفه الآخر في اليد؛ فتكون اليد اليمنى مغلولة إلى العنق، وعلى ذلك ذكر في حرف ابن مسعود أنه قرأ: (إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا)، وفي بعض الحروف: (في أيديهم أغلالا).
وقوله: (فَهُمْ مُقْمَحُونَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: رافعو رءوسهم إلى السماء؛ لأنه كذلك يكون إذا غل عنق المرء إلى الذقن لا يستطيع أن ينظر في الأرض، وكذلك قيل للإبل إذا شربت الماء: أقمحت، أي: رفعت رأسها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الإقماح: هو غض البصر.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: المقمح: الذي يرفع رأسه ويغض بصره، ويقال: غاض طرفه بعد رفع رأسه، جمعت أيديهم إلى أعناقهم.
وقوله: (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ).
قد قرئ بالرفع والنصب والخفض جميعًا: فمن قرأها بالرفع فهو على الابتداء، ومن قرأها بالخفض فهو على النعت؛ كقوله: (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ)، ومن قرأ بالنصب فعلى القطع؛ لأن الكلام قد تم دونه.
وقوله: (فَأَغْشَيْنَاهُمْ).
بالغين والعين جميعًا: فمن قرأ بالغين فهو من الغشاوة، ومن قرأ بالعين فهو من قوله:

صفحة رقم 506

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية