ﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌ

ثم إنكم يعني أنت وكفار مكة، أو الناس أجمعون يوم القيامة عند ربكم تختصمون فتحتج عليهم وتقول : يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا وإنهم كذبوني وكنت على الحق في التوحيد وكانوا على الباطل في التشريك واجتهدت في الإرشاد والتبليغ ولجوا في العناد والتكذيب ويعتذرون بالأباطيل مثل قولهم : والله ربنا ما كنا مشركين وقولهم ما جاءنا من بشير ولا نذير إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا ما وجدنا عليه آباءنا ويختصم الناس بعضهم مع بعض فأول ما يقضى فيه الدماء أخرج الشيخان في الصحيحين عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة بالدماء ) وأخرج الترمذي وحسنه وابن ماجه والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :( يأتي المقتول متعلق رأسه بإحدى يديه قاتله باليد الأخرى وتشخب أوداجه دما حتى يأتي العرش فيقول المقتول لرب العالمين هذا قتلني فيقول الله للقاتل تعست ويذهب به إلى النار ) وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( يجيء المقتول آخذا قاتله وأوداجه تشخب دما فيقول رب سل هذا فلم قتلني فيقول قتلته ليكون العزة لفلان قال هي لله تبارك وتعالى ) وروى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود عن فذكر أنه يؤتى بالقاتل والمقتول فيقفان بين يدي الرحمان فيقال له لم قتلته فإن كان قتله لله قتلته ليكون العزة لله فيقال فإنها لله فإن كان قتله لخلقه من خلق الله يقول قتلته ليكون العزة لفلان فيقال فإنها ليست له فيقتل يومئذ كل خلق الله قتله ظالم غير أنه يذاق الموت عدة الأيام التي أذاقها الأخر في الدنيا، وأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححه عن عبد الله بن الزبير عن أبيه لما نزلت إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون قال الزبير يا رسول الله أيكرر علينا ما بيننا في الدنيا مع خواص للذنوب ؟ قال نعم ليكررن عليكم ذلك حتى يصل إلى كل ذي حق حقه " قال الزبير والله إن الأمر لشديد.
وأخرج الطبراني بسند لا بأس به عن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( أول من يختصم يوم القيامة الرجل والمرأة والله ما يتكلم لسانه ولكن يداها ورجلاها يشهدن عليها بما كانت تعيب لزوجها وتشهد يداه ورجلاه بما كان يوليها ثم يدعى الرجل وخدمه مثل ذلك ثم يدعى أهل الأسواق وما يوجد ثمة دوانيق ولا قراريط ولكن حسنات هذا يدفع إلى هذا الذي ظلم وسيئات هذا الذي ظلمه يوضع عليه ثم يِؤتى بالجبارين في مقامع من حديد فيقال أوردوهم إلى النار ) وأخرج أحمد بسند حسن عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أول خصمين يوم القيامة الجاران ) وأخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من كان عنده مظلمة لأخيه فليحلله منها في الدنيا فإنه ليس ثمة دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن حسنات أخذ من سيئات صاحبه فتحمل عليه ) وأخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( أتدرون من المفلس ؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيقتص ويقتص هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فيطرح عليه ثم طرح في النار ).
قلت : أراد بالحسنات التي يأخذها المظلوم من الظالم أجر حسناته ما سوى الإيمان إذ المظالم وغيرها من السيئات ما عدا الكفر جزاؤه متناه على أصول أهل السنة والجماعة فإن مرتكب الكبيرة عندهم لا يخلد في النار، والإيمان جزاؤه الخلود في الجنة وهو غير متناه فلا يأتي ما هو فنيت على ما ليس بمتناه، فالحاصل أنه إذا فنيت حسنات الظالم قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا وبقي عنده الإيمان المجرد أخذ من خطايا المظلومين ما عدا الكفر لكونه غير متناه الجزاء فلا يوازن ما هو متناه الجزاء فيطرح على الظالم ثم طرح في النار إن لم يعف عنه حتى إذا انتهت عقوبة تلك الخطايا أدخل الجنة بإيمانه ويخلد فيها وقال البيهقي مثل ما قلت، وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى تعاد للشاة الجماء من الشاة القرناء ) وفيه حتى للجماء من القرناء وللذرة من الذرة، وفي الباب أحاديث كثيرة لم أذكرها، وروى البيهقي عن الزبير بن العوام قال لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ٣١ قلنا كيف نختصم وديننا وكتابنا واحد حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف فعرفت أنه نزلت فينا، وعن ابن عمر نحوه وعن أبي سعيد الخدري في هذه الآية قال كنا نقول ربنا واحد ونبينا واحد وكتابنا واحد فما هذه الخصومة فلما كان يوم الصفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا نعم هو هذا، وعن إبراهيم قال لما نزلت ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون قالوا كيف نختصم ونحن إخوان فلما قتل عثمان قالوا هذا خصومتنا، ومقتضى هذه الأقوال أنهم كانوا يزعمون أن الاختصام في الدماء لا يكون إلا بين المؤمنين والكافرين فلما ظهر البغي والفساد بين المسلمين واتضح لهم أنه يكون بين المؤمنين أيضا.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير