ﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌ

بحدوث الصفة. قال الفراء والكسائي: الميت بالتشديد: من لم يمت وسيموت، والميت بالتخفيف: من قد مات وفارقته الروح، قال قتادة: نُعيت إلى النبي - ﷺ - نفسه، ونعيت إليهم أنفسهم.
٣١ - ووجه هذا الإخبار الإعلام للصحابة بأنه - ﷺ - سيموت، فقد كان بعضهم يعتقد أنه لا يموت، مع كونه توطئة وتمهيدًا لما بعده، حيث قال:
ثُمَّ إِنَّكُمْ؛ أي: إنك، وإياهم على تغليب ضمير المخاطب، على ضمير الغائب. وأكد بـ إن وإن كان الاختصام مما لا ينكر، لتنزيل المخاطبين منزلة من يبالغ في إنكار الاختصام لانهماكهم في الغفلة عنه يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ؛ أي: عند مالك أمركم تَخْتَصِمُونَ؛ أي: تخاصمهم يا محمد، فتحتج أنت عليهم، بأنك بلغتهم ما أرسلت به إليهم من الأحكام والمواعظ، واجتهدت في الدعوة إلى الحق، حق الاجتهاد، وهم قد لجوا في المكابرة والعناد، ويعتذرون بما لا طائل تحته، وبما لا يدفع عنهم لومًا ولا تقريعًا، ويقول التابعون للرؤساء: أطعناكم فأضللتمونا، ويقول السادة: أغوانا الشيطان، وآباؤنا الأولون، وفي «بحر العلوم»: الوجه الوجيه: أن يراد الاختصام العام، وأن يخاصم الناس بعضهم بعضا، مؤمنًا أو كافرًا، فيما جرى بينهم في الدنيا بدلائل:
منها: قوله - ﷺ -: «أول من يختصم يوم القيامة الرجل والمرأة، والله ما يتكلم لسانها، ولكن يداها تشهدان، ورجلاها عليها بما كانت تعيّب لزوجها، وتشهد عليه يداه ورجلاه بما كان يؤذيها».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي - ﷺ - قال: «من كان عنده مظلمة لأخيه، من عرض أو مال، فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار، ولا درهم، إن كان له عمل صالح، أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيئات صاحبه فحمّلت عليه»، رواه البخاري.
وعن أبي هريرة قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: «أتدرون من المفلس»؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن المفلس، من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت

صفحة رقم 546

عليه، ثم طُرح في النار»، أخرجه مسلم.
فإن قلت: قال في آية أخرى: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ، وبينهما معارضة.
قلت: إن في يوم القيامة ساعات كثيرة، وأحوالها مختلفة، مرة يختصمون، ومرة لا يختصمون، كما أنه قال: فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ، وقال في آية أخرى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧). يعني: في حال يتساءلون، وفي حال لا يتساءلون، وكما أنه قال: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩)، وفي موضع آخر فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)، ونحو هذا كثير في القرآن.
فائدة: قال ابن مسعود رضي الله عنه: لما دنا فراق رسول الله - ﷺ -، جمعنا في بيت أمنا عائشة رضي الله عنها ثم نظر إلينا، فدمعت عيناه، وقال: «مرحبًا بكم، حياكم الله، رحمكم الله، أوصيكم بتقوى الله وطاعته، قد دنا الفراق، وحان المنقلب إلى الله تعالى، وإلى سدرة المنتهى، وجنة المأوى، يغسلني رجال أهل بيتي، ويكفنوني في ثيابي هذه إن شاؤوا، أو في حلة يمانية، فإذا غسلتموني وكفنتموني، ضعوني على سريري في بيتي هذا، على شفير لحدي، ثم اخرجوا عني ساعة، فأول من يصلي عليّ، حبيبي جبرائيل، ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت مع جنودهم، ثم ادخلوا عليّ فوجًا فوجًا، فصلوا عليّ»، فلما سمعوا فراقه صاحوا وبكوا، وقالوا: يا رسول الله، أنت رسول ربنا، وشمع جمعنا، وبرهان أمرنا، إذا ذهبت عنا فإلى من نرجع في أمورنا؟ قال: «تركتكم على المحجة البيضاء»؛ أي: على الطريق الواضح «ليلها كنهارها»؛ أي: في الوضوح «ولا يزيغ بعدها إلا هالك، وتركت لكم واعظين، ناطقًا وصامتًا، فالناطق القرآن، والصامت الموت، فإذا أشكل عليكم أمر، فارجعوا إلى القرآن والسنّة، وإذا قست قلوبكم، فليّنوها بالاعتبار في أحوال الموت»، فمرض رسول الله - ﷺ - من يومه ذلك، من صداع عرض له، وكان مريضًا ثمانية عشر يومًا، يعوده الناس، ثم مات يوم الإثنين، ما بعثه الله فيه، فغسله علي رضي الله عنه وصب الماء - أي: ماء بئر غرس - الفضل بن عباس رضي الله عنهما، ودفنوه ليلة الأربعاء وسط الليل، وقيل: ليلة الثلاثاء في حجرة

صفحة رقم 547

عائشة رضي الله عنها. وفي الحديث: «من أصيب بمصيبة، فليذكر مصيبته بي، فإنها أفظع المصائب». وأنشد بعضهم:

اصْبِر لِكُلِّ مُصِيْبَةٍ وَتَجَلَّدِ وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْمَرْءَ غَيَرُ مُخَلَّدِ
وَإِذَا اعْتَرَتْكَ وَسَاوِسٌ بِمُصِيْبَةٍ فَاذْكُرْ مُصَابَكَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدِ
الإعراب
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧).
وَالَّذِينَ الواو: استئنافية. الَّذِينَ: مبتدأ. اجْتَنَبُوا: صلة الموصول. الطَّاغُوتَ: مفعول به. أَنْ: حرف مصدر، يَعْبُدُوها: فعل، وفاعل، ومفعول به، منصوب بأن المصدرية، والجملة في تأويل مصدر، منصوب على أنه بدل اشتمال، من الطَّاغُوتَ، تقديره: والذين اجتنبوا الطاغوت عبادتها. وَأَنابُوا: فعل، وفاعل، معطوف على الصلة إِلَى اللَّهِ: متعلق بـ أَنابُوا، لَهُمُ: خبر مقدم، الْبُشْرى: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الرفع، خبر المبتدأ أعني: الموصول، والجملة الاسمية مستأنفة. فَبَشِّرْ: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت يا محمد ثبوت البشرى لهم، وأردت تبليغ البشارة إليهم.. فأقول لك: بشر عبادي؛ أي: بلّغ بشارتي إليهم. بشر: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد - ﷺ -، عِبادِ: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه، فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، اتباعًا لرسم المصحف، وهو مضاف، والياء المحذوفة مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨).
الَّذِينَ: في محل النصب صفة لـ عِبادِ. يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ: فعل، وفاعل، ومفعول به صلة الموصول، فَيَتَّبِعُونَ: الفاء: عاطفة. {يتبعون

صفحة رقم 548

أحسنه}: فعل، وفاعل، ومفعول به معطوف على الصلة، أُولئِكَ: مبتدأ، الَّذِينَ: خبره، والجملة مستأنفة. هَداهُمُ اللَّهُ: فعل، ومفعول به، وفاعل، والجملة صلة الموصول والجملة الاسمية مستأنفة. وَأُولئِكَ: مبتدأ، هُمْ: ضمير فصل، أُولُوا الْأَلْبابِ: خبر المبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها.
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠).
أَفَمَنْ: الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أأنت مالك أمرهم، فمن حق عليه كلمة العذاب، فأنت تنقذه، والجملة المحذوفة جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب، والأظهر في من كونها شرطية في محل رفع بالابتداء، والخبر الجواب الآتي، أو فعل الشرط، أو هما على الخلاف المذكور في محله. حَقَّ: فعل ماض، في محل الجزم بـ من الشرطية، على كونها فعل شرط لها. عَلَيْهِ: متعلق بحق، كَلِمَةُ الْعَذابِ: فاعل، وذكّر الفعل لوجود الفاصل، أو لكون الفاعل مؤنثًا مجازيًا، أَفَأَنْتَ الهمزة للاستفهام الإنكاري، كررت لتأكيد الأولى، لطول الفصل، والفاء رابطة لجواب الشرط وجوبًا، لكون الجواب جملة اسمية، أنت مبتدأ، تُنْقِذُ: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد - ﷺ -، والجملد الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ مَنْ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة مَنْ الشرطية، معطوفة على تلك الجملة المحذوفة. والآية جملة واحدة، مركبة من شرط وجواب، معطوفة على جملة محذوفة. مَنْ: من اسم موصول في محل النصب، مفعول تنقذ، فِي النَّارِ: جار ومجرور صلة من الموصولة، وهو إظهار في مقام الإضمار، والأصل: فأنت تنقذه من النار. لكِنِ: حرف عطف وإضراب، بمعنى بل، وليست للاستدراك؛ لأنه لم يسبقها نفي، فالكلام إضراب

صفحة رقم 549

من موضوع إلى موضوع مغاير للأول. الَّذِينَ: مبتدأ، اتَّقَوْا: فعل، وفاعل، صلة الموصول، رَبَّهُمْ: مفعول به، لَهُمْ: خبر مقدم، غُرَفٌ: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل الرفع خبر عن الموصول، وجملة الموصول، معطوفة على الجملة التي قبلها. مِنْ فَوْقِها: جار ومجرور خبر مقدم، غُرَفٌ: مبتدأ مؤخر، مَبْنِيَّةٌ: صفة غرف، والجملة في محل الرفع، صفة لـ غُرَفٌ الأولى، مَبْنِيَّةٌ: صفة لـ غُرَفٌ الثانية، وجملة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ: صفة ثانية لـ غُرَفٌ أو حال من غُرَفٌ. وَعَدَ اللَّهُ: مصدر مؤكد لفعل محذوف، دل عليه قوله: لَهُمْ غُرَفٌ؛ لأنه في معنى: وعدهم الله ذلك، والجملة المحذوفة مستأنفة، مسوقة لتأكيد ما قبلها. لا: نافية، يُخْلِفُ اللَّهُ: فعل، وفاعل، الْمِيعادَ: مفعول به، والجملة في محل النصب حال من لفظ الجلالة، لوجود شرط مجيء الحال، من المضاف إليه.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١).
أَلَمْ: الهمزة فيه للاستفهام التقريري، لَمْ: حرف نفي وجزم، تَرَ: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد - ﷺ -، أو أي مخاطب، والجملة مستأنفة مسوقة لتمثيل الحياة الدنيا، وسرعة زوالها. أَنَّ اللَّهَ ناصب واسمه، وجملة أَنْزَلَ: خبره، وجملة أَنَّ: في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي تر، مِنَ السَّماءِ: متعلق بـ أَنْزَلَ، ماءً: مفعول به، فَسَلَكَهُ: الفاء: عاطفة، سلكه: فعل، وفاعل يعود على الله، ومفعول به، معطوف على أنزل، يَنابِيعَ: حال من مفعول سلكه. فِي الْأَرْضِ: متعلق بـ سلك أو منصوب بنزع الخافض، فِي الْأَرْضِ: صفة له، على أنه اسم مكان. ثُمَّ: حرف عطف وتراخ. يُخْرِجُ: فعل مضارع، وفاعل مستتر، معطوف على سلكه، بِهِ: متعلق بـ يُخْرِجُ، زَرْعًا: مفعول به، مُخْتَلِفًا صفة زَرْعًا، أَلْوانُهُ: فاعل، مختلفًا، ثُمَّ: حرف عطف وتراخ، يَهِيجُ: فعل مضارع، وفاعل

صفحة رقم 550

مستتر يعود على زرع، معطوف على يُخْرِجُ، فَتَراهُ: الفاء: عاطفة، تراه: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على يَهِيجُ، مُصْفَرًّا: حال من الضمير، لأن الرؤية بصرية. ثُمَّ: حرف عطف، يَجْعَلُهُ: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول أول، حُطامًا: مفعول ثان، معطوف على تراه، أَنَّ: حرف نصب، فِي ذلِكَ: خبر مقدم لها، لَذِكْرى: اللام: حرف ابتداء، ذكرى: اسمها مؤخر، لِأُولِي الْأَلْبابِ: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ذكرى؛ لأنه بمعنى التذكرة، وجملة أَنَّ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها.
أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢).
أَفَمَنْ الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف معلوم من السياق، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أكل الناس سواء، فمن شرح الله صدره إلخ، والجملة المحذوفة مستأنفة. من اسم موصول في محل الرفع، مبتدأ، شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ: فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة صلة الموصول، لِلْإِسْلامِ: متعلق بـ شَرَحَ، فَهُوَ: الفاء، عاطفة، هو: مبتدأ، عَلى نُورٍ: خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جملة الصلة، أعني: شَرَحَ. مِنْ رَبِّهِ: صفة لـ نُورٍ، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره: كمن قسا قلبه، وحرج صدره، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة المحذوفة. فَوَيْلٌ: الفاء: استئنافية، أو فصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت عدم استوائهما، وأردت بيان حكم القاسي.. فأقول لك: ويل للقاسية قلوبهم. ويل: مبتدأ، سوّغ الابتداء به ما فيه من معنى الدعاء، لِلْقاسِيَةِ خبر المبتدأ. قُلُوبُهُمْ: فاعل القاسية، مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ: متعلق بـ لِلْقاسِيَةِ مِنْ: إما للتعليل؛ أي: من أجل ذكره. وقيل: مِنْ بمعنى: عن، والمعنى: غلظت عن قبول الذكر، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، أو مستأنفة. أُولئِكَ: مبتدأ فِي ضَلالٍ: خبر. مُبِينٍ: صفة

صفحة رقم 551

ضَلالٍ، والجملة مستأنفة.
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣).
اللَّهُ: مبتدأ، نَزَّلَ: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الله، أَحْسَنَ الْحَدِيثِ: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع، خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. كِتابًا بدل من أحسن الحديث، ويجوز أن يكون حالًا منه. مُتَشابِهًا: صفة لـ كِتابًا، مَثانِيَ: صفة ثانية له، تَقْشَعِرُّ: فعل مضارع، مِنْهُ: متعلق به، جُلُودُ الَّذِينَ: فاعل، ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب، صفة ثالثة لـ كِتابًا. يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ: فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة صلة الموصول، ثُمَّ: حرف عطف وترتيب مع تراخ، تَلِينُ جُلُودُهُمْ: فعل، وفاعل، معطوف على تقشعر، و قُلُوبُهُمْ: معطوف على جلودهم، إِلى ذِكْرِ اللَّهِ: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ تَلِينُ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ: مبتدأ وخبر. والجملة مستأنفة. يَهْدِي: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على اللَّهُ، بِهِ: متعلق به، والجملة في محل النصب حال من لفظ الجلالة، مَنْ: اسم موصول في محل النصب، مفعول يَهْدِي، وجملة يَشاءُ: صلة من الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من يشاؤه. وَمَنْ الواو: استئنافية، مَنْ: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جواب الشرط، أو الجواب أو هما، يُضْلِلِ اللَّهُ: فعل مضارع، وفاعل مجزوم بـ مَنْ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، فَما: الفاء: رابطة الجواب، ما: نافية، أو حجازية، لَهُ: خبر مقدم، أو خبر ما: مقدم على اسمها، مَنْ: زائدة، هادٍ: مبتدأ مؤخر أو اسمها مؤخر. والجملة الاسمية في محل الجزم بمن الشرطية على كونها جوابًا لها، والجملة الشرطية مستأنفة.
أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ.
أَفَمَنْ الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة

صفحة رقم 552

على ذلك المحذوف، والتقدير: أكل الناس سواء، فمن يتقي بوجهه إلخ. والجملة المحذوفة مستأنفة. من: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، وجملة يَتَّقِي بِوَجْهِهِ: صلة الموصول، سُوءَ الْعَذابِ: مفعول به، يَوْمَ الْقِيامَةِ: ظرف، متعلق بـ يَتَّقِي، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره: كمن أمن من العذاب، والجملة الاسمية معطوفة على تلك المحذوفة.
وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦).
وَقِيلَ: الواو: عاطفة، قِيلَ: فعل ماض مغير الصيغة، لِلظَّالِمِينَ: متعلق به، ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ: نائب فاعل محكي لـ قِيلَ، والجملة معطوفة على جملة يَتَّقِي، ويصح أن تكون جملة قِيلَ: حالًا من فاعل يَتَّقِي، وإن شئت قلت: ذُوقُوا: فعل، وفاعل، ما: اسم موصول في محل النصب مفعول به، ولكنه على تقدير مضاف، والجملة الفعلية في محل الرفع نائب فاعل لـ قِيلَ، وجملة كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ: صلة لـ ما الموصولة، كَذَّبَ الَّذِينَ: فعل، وفاعل، والجملة مستأنفة. مِنْ قَبْلِهِمْ: جار ومجرور صلة الموصول، فَأَتاهُمُ: الفاء: عاطفة، أتاهم العذاب: فعل، وفاعل، ومفعول، معطوف على كذّب، مِنْ حَيْثُ: جار ومجرور متعلق بـ أتى، وجملة لا يَشْعُرُونَ: في محل الجر مضاف إليه لـ حَيْثُ، فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ: فعل ماض، ومفعول أول مقدم على الفاعل، وفاعل مؤخر، الْخِزْيَ: مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة أتاهم. فِي الْحَياةِ: متعلق بـ أذاقهم، الدُّنْيا صفة للحياة وَلَعَذابُ الواو: استئنافية، اللام: حرف ابتداء، عذاب الآخرة: مبتدأ، أَكْبَرُ خبره، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على مقدر تقديره: وهذا هو العذاب الأدنى. لَوْ: حرف شرط، وجملة كانُوا يَعْلَمُونَ: فعل شرط لـ لَوْ، وجوابه محذوف تقديره: لو كانوا يعلمون شدة عذاب الآخرة.. لآمنوا بالله ورسوله، وجملة لَوْ: الشرطية مستأنفة.

صفحة رقم 553

وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨).
وَلَقَدْ الواو: استئنافية، واللام: موطئة للقسم، قد: حرف تحقيق، ضَرَبْنا: فعل، وفاعل، لِلنَّاسِ متعلق بـ ضَرَبْنا على أنه مفعول ثان لـ ضَرَبْنا؛ لأنه بمعنى: جعلنا وبيّنا. فِي هذَا الْقُرْآنِ: حال من كل مثل، أو متعلق بـ ضَرَبْنا، مِنْ: زائدة، كُلِّ مَثَلٍ: مفعول أول لـ ضَرَبْنا أو مِنْ: أصلية صفة لمفعول أول محذوف، تقديره: مثلًا كائنًا من كل مثل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. لَعَلَّهُمْ: ناصب واسمه وجملة يَتَذَكَّرُونَ: خبره، وجملة لعل: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. قُرْآنًا: حال موطئة من القرآن؛ لأنها ذكرت توطئة للنعت بالمشتق، لما كانت جامدة، والاعتماد فيها على الصفة. عَرَبِيًّا: صفة لـ قُرْآنًا، غَيْرَ ذِي عِوَجٍ: صفة ثانية لـ قُرْآنًا، ومضاف إليه. لَعَلَّهُمْ: ناصب واسمه، وجملة يَتَّقُونَ: خبره، وجملة لعل مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩).
ضَرَبَ اللَّهُ: فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة. مَثَلًا: مفعول ثان لـ ضَرَبَ؛ لأنه بمعنى: جعل. رَجُلًا: مفعوله الأول أخر عن الثاني، للتشويق إليه، وليتصل به، ما هو من تتمته، التي هي العمدة في التمثيل. فِيهِ: خبر مقدم. شُرَكاءُ: مبتدأ مؤخر، مُتَشاكِسُونَ: صفة لـ شُرَكاءُ، والجملة الاسمية صفة لـ رَجُلًا. وَرَجُلًا: معطوف على رَجُلًا. سَلَمًا: صفة رَجُلًا، نعت بالمصدر على سبيل المبالغة على حد: مررت برجل عدل. لِرَجُلٍ: متعلق بـ سَلَمًا، هَلْ: حرف للاستفهام الإنكاري، يَسْتَوِيانِ: فعل، وفاعل، مَثَلًا: تمييز محول عن الفاعل؛ أي: هل يستوي مثلهما؟. والجملة الفعلية، جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. الْحَمْدُ لِلَّهِ: مبتدأ

صفحة رقم 554

وخبر، والجملة الاسمية معترضة؛ لأن قوله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ: إضراب انتقالي، مرتبط بقوله: هَلْ يَسْتَوِيانِ. بَلْ: حرف عطف وإضراب، أَكْثَرُهُمْ: مبتدأ، وجملة لا يَعْلَمُونَ: خبره، والجملة معطوفة على جملة هَلْ يَسْتَوِيانِ.
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١).
إِنَّكَ: ناصب واسمه، مَيِّتٌ: خبره، والجملة مستأنفة. وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ: ناصب واسمه، وخبره، معطوف على ما قبله. ثُمَّ: حرف عطف للترتيب مع التراخي. إِنَّكُمْ: ناصب واسمه، يَوْمَ الْقِيامَةِ: ظرف متعلق بـ تَخْتَصِمُونَ، عِنْدَ رَبِّكُمْ: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال من اسم إن، أو من فاعل تَخْتَصِمُونَ: أو متعلق بـ تَخْتَصِمُونَ، وجملة تَخْتَصِمُونَ في محل الرفع خبر إن، وجملة إن معطوفة على جملة إن الأولى. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ والطاغوت: يطلق على الواحد والجمع، كما في «المختار»، ويذكر ويؤنث كما في «المصباح». قال الأخفش: الطاغوت: جمع ويجوز أن يكون مفردة مؤنثة؛ أي: تباعدوا عن الطاغوت، وكانوا منها على جانب فلم يعبدوها، وقال مجاهد وابن زيد: هو الشيطان. وقال الضحاك والسدي: هي الأوثان، وقيل: إنه الكاهن، وقيل: إنه اسم أعجمي مثل: طالوت، وجالوت، وهاروت، وماروت. وقيل: إنه اسم عربي مشتق من الطغيان، وعبارة الروح: قوله: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ من الاجتناب، وهو الابتعاد يقال: اجتنبه إذا بعد عنه، والطاغوت: البالغ أقصى غاية الطغيان، وهو تجاوز الحد في العصيان، فلعوت من الطغيان بتقديم اللام على العين، لأن أصله: طغيوت، بني للمبالغة كالرحموت والعظموت، ثم وصف به للمبالغة في النعت، كأن عين الشيطان طغيان؛ لأن المراد به هو الشيطان، وتاؤه زائدة دون التأنيث، كما قال في «كشف الأسرار»: التاء ليست بأصلية، هي في الطاغوت كهي في الملكوت والجبروت، واللاهوت والناسوت والرحموت والرهبوت. قال

صفحة رقم 555

الراغب: هو عبارة عن كل متعد، وكل معبود من دون الله. وفي «القاموس»: الطاغوت: اللات، والعزى، والكاهن، والشيطان، وكل رأس ضلال، والأصنام، وكل ما عبد من دون الله، ومردة أهل الكتاب، وقال في «كشف الأسرار»: كل من عبد شيئًا غير الله فهو طاغ، ومعبوده طاغوت. وفي «التأويلات النجمية»: طاغوت كل أحد نفسه، وإنما يتجنب الطاغوت من خالف هواه، وعانق رضى مولاه، ورجع إليه بالخروج عما سواه، رجوعًا كليًا.
لَهُمْ غُرَفٌ جمع غرفة، وهي علية من البناء، وسمي منازل الجنة غرفًا، كما في «المفردات».
فَسَلَكَهُ؛ أي: أدخله يَنابِيعَ وفي زاده: الينابيع: جمع ينبوع، وهو إما الموضع الذي يجري فيه الماء من خلال الأرض، أو نفس الماء الجاري، والينبوع يفعول من نبع الماء إذا خرج، وسال. ومضارعه: ينبع بالحركات الثلاث في عين المضارع، فإن كان الينبوع بمعنى المنبع، كان نصب ينابيع على المصدر؛ أي: سلكه سلوكا في ينابيع، وأدخله إدخالًا فيها، على أن يكون يَنابِيعَ ظرفًا للمصدر المحذوف، فلما أقيم مقام المصدر، جعل انتصابه على المصدر، وإن كان بمعنى النابع كان انتصابه على الحال؛ أي: نابعات، اهـ. وفي «المختار»: نبع الماء إذا خرج، وبابه: قطع، ودخل، ونبع ينبع نبعانًا بفتح الباء لغة أيضًا، والينبوع: عين الماء، ومنه: قوله تعالى: حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا. والجمع ينابيع، اهـ. فما يقوله العامة وهو نبع مولد غير معروف، وإنما النبع مصدر، وشجر تتخذ منه السهام والقسي، يقال: فزعوا النبع بالنبع؛ أي: تلاقوا، وتطاعنوا، وما رأيت أصلب منه نبعًا؛ أي: أشد منه.
زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ؛ أي: من أصفر، وأحمر، وأخضر، وأبيض، وشمل لفظ الزرع جميع ما يستنبت من مقتات وغيره، والزرع في الأصل: مصدر بمعنى الإنبات، عبّر به عن المزروع؛ أي: مزروعا. فَتَراهُ مُصْفَرًّا؛ أي: زالت خضرته، ونضارته، اهـ من «النهر». ثُمَّ يَهِيجُ؛ أي: ييبس، ويتم جفافه؛ لأنه إذا تم جفافه حان له أن يثور وينتشر عن منابته، ويذهب. وفي «المختار»: وهاج

صفحة رقم 556

النبت يهيج هياجًا بالكسر وهيجًا وهيجانًا: يبس. وفي المصباح: وهاج البقل يهيج: اصفر. فَتَراهُ مُصْفَرًّا قال الراغب: الصفرة: لون من الألوان التي بين السواد والبياض، وهي إلى البياض أقرب، ولذلك قد يعبر بها عن السواد. حُطامًا؛ أي: فتاتًا. وفي «المصباح»: حطم الشيء حطمًا من باب تعب، فهو حطم إذا تكسر، ويقال للدابة إذا أسنّت: حطمة، ويتعدى بالحركة فيقال: حطمته حطما من باب ضرب فانحطم، وحطمته بالتشديد مبالغة، وتحطم العود إذا تفتت من اليبس.
أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وأصل الشرح: بسط اللحم، ونحوه. يقال: شرحت اللحم، وشرحته. ومنه: شرح الصدر بنور إلهي وسكينة من جهته وروح، كما في «المفردات». وشرح الصدر للإسلام: الفرح به، والطمأنينة إليه، والنور البصيرة، والهدى.
لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ والقسوة: جمود، وصلابة في القلب. يقال: قلب قاس؛ أي: لا يرق ولا يلين، وأصله من حجر قاس، والمقاساة: معالجة ذلك.
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ قال في «المفردات»: كل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع، أو الوحي في يقظته أو منامه، يقال له: حديث، وفي عرف العامة: الخبر والكلام، وأحسنيته لفصاحته وإعجازه. مُتَشابِهًا؛ أي: يشبه بعضه بعضا في الحسن، والإحكام.
مَثانِيَ جمع مثنى بضم الميم وفتح الثاء والنون المشددة على خلاف القياس. إذ قياسه مثنيات. أو جمع مثنى بالفتح مخففًا. وعلى الأول فهو من التثنية بمعنى التكرير والإعادة، وعلى الثاني مفعل بفتح الميم وإسكان الفاء من التثنية بمعنى التكرير أيضًا، بحذف الزوائد، أو جمع مثنى بضم الميم وإسكان الثاء وفتح النون، من أثنى الرباعي؛ أي: مثني عليه بالبلاغة والفصاحة حتى قال بعضهم لبعض: ألا سجدت لفصاحته، ويجوز أن يكون بكسر النون؛ أي: مثن عليّ بما هو أهله من صفاته العظمى، وفي «المفردات»: وسمي سور القرآن مثاني، لأنها تثنى على مرور الأيام، وتكرر، فلا تدرس ولا تنقطع دروس سائر

صفحة رقم 557

الأشياء التي تضمحل وتبطل على مرور الأيام، وإنما تدرس الأوراق، كما روي أن عثمان رضي الله عنه حرق مصحفين لكثرة قراءته فيهما. ويصح أن يقال للقرآن: مثاني لما يثنى ويتجدد حالًا فحالًا من فوائده، كما جاء في نعته، ولا تنقضي عجائبه، ويجوز أن يكون ذلك من الثناء، تنبيهًا على أنه أبدًا يظهر منه، ما يدعو إلى الثناء عليه، وعلى من يتلوه ويعلمه، ويعمل به، وعلى هذا الوجه وصفه بالكرم في قوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)، وبالمجد في قوله: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١). قال ابن بحر: لما كان القرآن مخالفًا لنظم البشر، ونثرهم حول أسماءه، بخلاف ما سموا به كلامهم على الجملة والتفصيل، فسمى جملته قرآنًا، كما سموا ديوانًا، وكما قالوا: قصيدةٌ وخطبةٌ ورسالةٌ، قال: سورة، وكما قالوا: بيت قال: آية، وكما سميت الأبيات لاتفاق أواخرها قوافي سمى الله القرآن لاتفاق خواتيم الآي فيه مثاني.
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ؛ أي: تضطرب، وتتحرك، وتشمئز. يقال: اقشعر جلده: أخذته قشعريرة؛ أي: رعدة، كما في «القاموس»، والجلد: قشر البدن، كما في «المفردات»، ويقال: اقشعر جلده إذا تقبّض، وتجمع من الخوف، ووقف شعره كما مر، والمصدر: الاقشعرار، والقشعريرة أيضًا، ووزن اقشعر افعلل، ووزن القشعريرة: فَعْلَليلة، اهـ «سمين».
أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ يقال: اتقى فلان بكذا، إذا جعله وقايةً لنفسه، والتركيب يدل على دفع شيء عن شيء يضره. غَيْرَ ذِي عِوَجٍ تقدم معنى العوج في الكهف، وأن العوج بالكسر مختص بالمعاني دون الأعيان، والسر فيه فارجع إليه هناك، وقيل: المراد بالعوج: الشك، واللبس. قال:

وَقَدْ أَتَاكَ يَقِيْنٌ غَيْرُ ذِيْ عِوَجٍ مِنَ الإِلَهِ وَقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوْبِ
مُتَشاكِسُونَ؛ أي: متنازعون مختلفون. قال الزمخشري: التشاكس، والتشاخس: الاختلاف. تقول: تشاكست أحواله، وتشاخست أسبابه، وفي «المختار»: رجل شكس بوزن فلس؛ أي: صعب الخلق، وقوم شُكس بوزن قفل، وبابه: سلم. وحكى الفراء: رجل شكس بكسر الكاف، وهو القياسُ. وفي

صفحة رقم 558

«الصحاح»: رجل شكس بالتسكين؛ أي: صعب الخلق، وقوم شكس مثل: رجل صدق وقوم صدق، وقد شكس بالكسر من باب سلم شكاسة. وفي «السمين»: والتشاكس: التخالف، وأصله سوء الخلق، وعسره. وهو سبب التخالف، والتشاجر. وفي «القرطبي» مُتَشاكِسُونَ من شكس يشكس شكسًا، بوزن قفل، فهو شكس مثل: عسر يعسر عسرًا فهو عسر. يقال: رجل شكس، وشرس، وضرس.
وَرَجُلًا والرجل: ذكر من بني آدم جاوز حد الصغر. سَلَمًا بفتحتين، وكقتل، وكفسق: مصدر من سلم له من كذا. ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا وضرب المثل: تشبيه حال عجيبة بأخرى، وجعلها مثلًا لها. إِنَّكَ مَيِّتٌ قال الفراء: الميت بالتشديد: من لم يمت وسيموت، والميت بالتخفيف: من فارقته الروح. ولذلك لم يخفف في الآية. قال الخليل: أنشد أبو عمرو:

إِنْ تَسْأَلْنِي تَفْسِيْرَ مَيْتٍ وَمَيِّتِ فَدُونَكَ قَدْ فَسَّرْتُ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ
فَمَنْ كَانَ ذَا رُوْحٍ فَذَلِكَ مَيِّتٌ وَمَا الْمَيْتُ إِلّا مَنْ إِلَى الْقَبْرِ يُحْمَلُ
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المبالغة في قوله: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ، ففي تشبيه الشيطان بالطاغوت، وجوه ثلاثة من المبالغة.
١ - تسميته بالمصدر، كأنه نفس الطغيان.
٢ - بناؤه على فعلوت، وهي صيغة مبالغة كالرحموت، وهي الرحمة الواسعة، والملكوت، وهو الملك الواسع.
٣ - تقديم لامه على عينه، ليفيد اختصاصه بهذه التسمية.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: فَبَشِّرْ عِبادِ. فوضع الظاهر

صفحة رقم 559

موضع ضميرهم، تشريفًا لهم بالإضافة، ودلالة على أن مدار اتصافهم بالاجتناب والإنابة: كونهم نقادًا في الدين، يميزون الحق من الباطل، ويؤثرون الأفضل فالأفضل، اهـ من «الإرشاد».
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ أوقع الظاهر وهو مَنْ فِي النَّارِ موقع المضمر؛ لأن حقه: أفأنت تنقذه، وفيه أيضًا مجاز مرسل، علاقته السببية، فقد أطلق المسبب وأراد السبب؛ لأن الضلال سبب لدخول النار، والمعنى: أفأنت تهديه بدعائك له إلى الإيمان، فتنقذه من النار، وفيه أيضًا تكرير همزة الاستفهام الإنكاري، فالأولى لإفادته، والثانية لتأكيده لطول الكلام، ولولا طوله لم يجز الإتيان بها؛ لأنه لا يصلح في العربية أن يؤتى بألف الاستفهام في اسم الشرط، وبأخرى في الجزاء، وقيل: الاتقاء بالوجه، كناية عن عدم ما يتقي به، إذ الاتقاء بالوجه لا وجه له على حد قوله:
وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم
ومنها: الإتيان بصيغة الماضي في قوله: وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ للدلالة على تحقق وقوع القول، وفيه أيضًا وضع الظاهر موضع المضمر، تسجيلًا عليهم بالظلم، والإشعار بعلة الأمر في قوله: ذُوقُوا... إلخ، اهـ «أبو السعود».
ومنها: الإتيان بصيغة المضارع في قوله: ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا لاستحضار الصورة الماضية.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ لدلالة السياق عليه حذف خبره، تقديره: كمن طبع الله على قلبه. وفيها أيضًا الاستفهام الإنكاري.
ومنها: وصف الواحد بالجمع في قوله: مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ. فإنه وصف الواحد وهو الكتاب بالجمع، وهو المثاني باعتبار تفاصيله؛ لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل، فإنه يقال: القرآن أسباع، وأخماس، وسور، وآيات، وأقاصيص وأحكام، ومواعظ مكررات، كما مر.

صفحة رقم 560

وفائدة التكرير: فيه ترسيخ الكلام في الأذهان، فإن النفوس تمل عادة من الوعظ والتنبيه، وتسأم النصيحة بادىء الأمر، ففي تكرير النصح والموعظة تعويد لها على استساغة ذلك، والعمل به، وقد ثبت: أن رسول الله - ﷺ - كان يكرر عليهم ما يعظ وينصح به، ثلاثًا وسبعًا أحيانًا، ليركز ذلك في نفوسهم، والمعلم النابه لا يفتأ يردد ما يلقيه على طلابه من دروس، حتى يصبح مستساغًا إليهم، هشًا في نفوسهم، بعد أن كان صعبًا ممجوجًا.
ومنها: التهكم في قوله: فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ؛ لأن الذوق إنما يكون في المطعوم الحالي، فعبر عن إيصال الصغار والعذاب إليهم بالإذاقة، تهكمًا بهم.
ومنها: ضرب المثل في قوله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ الآية. وهو نوع من التشبيه، فقد شبه حال من يعبد آلهة شتى بمملوك اشترك فيه شركاء، شجر بينهم خلاف شديد وخصام مبين، وهم يتجاذبونه، ويتعاورونه في شتى آرابهم، ومتباين أهوائهم، فهو يقف متحيرًا لا يدري لأيهم ينحاز؟، ولأيهم ينصاع، وأيهم أجدر بأن يطيعه؟. وحال من يعبد إلهًا واحدًا، فهو متوفر على خدمته، يلبي كل حاجاته، ويصيخ سمعًا لكل ما ينتدبه إليه، ويطلبه منه.
ومنها: تنكير رجل في الموضعين للإفراد؛ أي: فردًا من الأشخاص لفرد من الأشخاص.
ومنها: تخصيص الرجل؛ لأنه أفطن لما يجرى عليه من الضر والنفع؛ لأن المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا.
ومنها: الاعتراض بجملة الْحَمْدُ لِلَّهِ في قوله: هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ فإن جملة الْحَمْدُ لِلَّهِ اعتراضية، لاعتراضها بين الكلامين، المرتبط أحدهما بالآخر، فإن قوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ إضراب انتقالي، مرتبط بقوله: هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا، فإنه انتقال من بيان عدم الاستواء على الوجه المذكور، إلى بيان أن أكثرهم لا يعلمون ذلك، مع كمال ظهوره، فيبقون

صفحة رقم 561

في ورطة الشرك والضلال، لفرط جهالتهم.
ومنها: التمهيد بقوله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)، فإنه تمهيد لما يعقبه من الخصام يوم القيامة.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١).
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
* * *

(١) وكان الفراغ من تسويد هذا المجلد، أوائل ليلة الخميس، الإثني عشر من شهر الجمادي الثانية، من شهور سنة ألف وأربع مئة، وأربعة عشر سنة ١٢/ ٦/ ١٤١٤ هـ من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة، وأزكى التحية، بحول الله تعالى وتيسيره. ويتلوه المجلد الخامس والعشرون بتوفيقه، وأوله قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ، نسأل الله سبحانه الإعانة على التمام والإكمال، كما أعان على الابتداء والافتتاح، والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، دائمًا إلى يوم الدين، آمين.

صفحة رقم 562

شعرٌ

إِنَّمَا الدُّنْيَا كَبَيْتٍ نَسْجُهُ مِنْ عَنْكَبُوت
وَكُلُّ ذِيْ غَيْبَةٍ يَؤوْبُ وَغَائِبُ الْمَوْتِ لا يَؤُوْبُ
إِذَا رَأَيْتَ لَحِيْنَا كُنْ سَاتِرًا حَلِيْمَا
يَا مَنْ يُقَبِّحُ سَطْرِيْ لِمْ لاَ تَمُرُّ كَرِيْمَا
آخرُ
الْعَبْدُ ذُو ضَجَرٍ وَالرَّبُّ ذُو قَدَرٍ وَالدَّهْرُ ذُوْ دُوَلٍ وَالرِّزْقُ مَقْسُومُ
وَالْخَيْرُ أَجْمَعُ فِيْمَا اخْتَارَ خَالِقُنَا وَفِيْ اخْتِيَارِ سِوَاهُ اللَّوْمُ وَالشُّومُ
آخرُ
رَأيْتُ أَخَا الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ ثَاوِيَا أَخَا سَفَرٍ يُسْرَى بِهِ وَهْوَ لَا يَدْرِيْ
آخرُ

صفحة رقم 563

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد الخامس والعشرون»

صفحة رقم

حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان

صفحة رقم 2

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[٢٥]

صفحة رقم 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

صفحة رقم 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الكبير المتعال، واسع الكرم والجود والفضل والنَّوال، وأشهد أن لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، ذو الجلال والإكرام، وأَشهد أن سيّدنا محمدًا عبده ورسوله، المرسل رحمةً للأنام، والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان عليه، ﷺ وعلى آله وأصحابه الكرام، والتابعين لهم وكل من تمسّك بدين الهدى والسلام، واهتدى بهدي القرآن.
أمّا بعد: فلما فرغت من تفسير الجزء الثالث والعشرين من القرآن الكريم بمعونة الله سبحانه وتعالى.. تفرغت للشروع في تفسير الجزء الرابع والعشرين منه، قاصدًا الشروع فيه بتوفيق الله سبحانه وتعالى، فقلت مستمدًا من الله تعالى التوقيق والهداية لأصوب الطرق وأرجح الأقاويل في تفسير كتابه، وقولي هذا:
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠) إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ

صفحة رقم 5

شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨) فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)}.
المناسبة
قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله سبحانه (١) لما ذكِر فيما سلف بعض هنات المشركين، وبعض قبائحهم، وأعقبه بمثل يشرح حالهم.. أردف ذلك بنوع آخر منها، وهو أنَّهم يكذبون فيثبتون لله ولدًا، ويثبتون له شركاء، ويكذبون القائل المحقّ، فيكذبون محمدًا - ﷺ - بعد قيام الأدلة القاطعة على صدقه، وبعد أن ذكر وعيد هؤلاء، أعقبه بوعد الذي جاء بالصدق ووعد المصدّقين له، فذكر أن الله يؤتيهم من فضله الثواب، ويمنع عنهم العقاب.
قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ.... الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر فيما سلف أنه يؤتي المؤمنين ما يشاؤون في الجنة، ويكفر سيئاتهم.. أردف ذلك ببيان أنه يكفيهم في الدنيا ما أهمّهم، ولا يضرهم ما يخوّفونهم به من غضب الأوثان والأصنام، فإن الأمور كلها بيده تعالى، فمن يضلله فلا هادي له، ومن يهده فلا مضلّ له، وهو ذو العزّة المنتقم الجبّار.

(١) المراغي.

صفحة رقم 6

ثم ذكر أن قول المشركين يخالف فعلهم، فحين تسألهم من خلق السموات والأرض يقولون: الله، وهم مع ذلك يعبدون غيره، ثمّ سألهم سؤال تعجيز: هل ما تعبدونه من صنم أو وثن يستطيع أن يكشف ضرًّا أراده الله بأحدٍ، أو يمنع خيرًا قدّره الله لأحد؟ إذًا فالله حسبي وعليه أتوكّل.
وبعد أن أعيت رسوله الحيلة في أمرهم، أمره الله سبحانه أن يقول لهم: اعملوا كما تشاؤون، وعلى نحو ما تحبّون، إنّي عامل على طريقتي، ويوم الحساب ترون المحقّ من المبطل، ومن سيحلّ به العذاب المقيم الذي سيخزيه يوم يقوم الناس لربّ العالمين.
قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا ذكر محاجّة الرسول - ﷺ - إياهم بالأدلّة القاطعة، والبراهين الساطعة على وحدانيته تعالى (١).. سلّاه على إصرارهم على الكفر الذي كان يعظم عليه وقعه، كما قال: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا وقال: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وأزال عن قلبه الخوف، فأعلمه أنه أنزل عليه الكتاب بالحق، وأنه ليس عليه إلّا إبلاغه، فمن اهتدى فنفع ذلك عائد إليه، ومن ضلّ فضير ضلاله عليه، وما وكل عليهم ليجبرهم على الهدى.
ثمّ ذكر أنّه تعالى يقبض الأرواح حين انقضاء آجالها، ويقطع صلتها بها، ظاهرًا وباطنًا، أو ظاهرًا فقط حين النوم، فيمسك الأولى ولا يردّها إلى البدن، ويرسل الثانية إلى البدن حين اليقظة، وفي ذلك دلائل على القدرة لمن يتفكر ويتدبر.
ثُمَّ أبان أنّ هذه الأصنام التي اتخذت شفعاء لا تملك لنفسها شيئًا، ولا تعقل شيئًا، فكيف تشفع؟ وبعدئذ ذكر مقابحهم ومعايبهم، وأنه إذا قيل: لا إله إلّا الله وحده.. ظهرت آثار النفرة في وجوههم، وإذا ذكرت الأصنام.. ظهرت علامات الفرح والسرور فيها، وهذا منتهى الجهل والحمق الشديد.

(١) المراغي.

صفحة رقم 7

قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله سبحانه وتعالى لمَّا ذكر حبّ المشركين للشرك، ونفرتهم من التوحيد.. أمر رسوله - ﷺ - بالالتجاء إليه، لما قاساه في أمر دعوتهم من شديد مكابرتهم وعنادهم، تسلية له - ﷺ -، وبيانًا بأنّ سعيه مشكور، وجدّه معلوم لديه، وتعليمًا لعباده أن يلجؤوا إليه حين الشدّة، ويدعوه بأسمائه الحسنى.
ثمّ ذكر أحوالهم يوم القيامة حين يرون الشدائد والأهوال، وما ينتظرهم من العذاب.
قوله تعالى: فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا الآيات، مناسبة هذه لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما حكى عن المشركين بعض هنواتهم الفاسدة.. حكى عنهم هناةً أخرى، هي: أنهم حين الوقوع في الضرّ من فقر وضرّ يفزعون إلى الله تعالى، ويلجؤون إليه، علمًا منهم أنه لا دافع له إلَّا هو، وإذا نالتهم بعض النعم من فضله.. زعموا أن ذلك بكسبهم وحسن صنيعهم وجميل تدبيرهم، وفي الحقيقة أنّ ما أُوتوه إنما هو فتنة لهم، واختبار لحالهم، ليعلم أيشكرون على ما حباهم به من النعم أم يكفرون؟ ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك، وما هذه المقالة ببدع منهم، بل قالها كثير قبلهم، فلم ينفعهم ذلك شيئًا.
ثمَّ ذكر أن بسط الرزق وتقتيره بيد الله، يبسطه تارةً ويقبضه أخرى، وليس ذلك لسعة الحيلة وحسن التدبير وحدهما، فإنا نرى كثيرًا من العقلاء وأرباب التدبير للمال وحسن تصريفه في ضيق شديد، وكثيرًا من الجهلاء والحمقى في بحبوحة من العيش، ورغد عظيم منه.
أسباب النزول
قول تعالى: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر، قال لي رجل: قالوا للنبيّ - ﷺ -: لتكفّنّ عن شتم آلهتنا أو لنأمرنّها فلتخيلنك، فنزلت: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ الآية.
قوله تعالى: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن المنذر عن مجاهد: أنها نزلت في قراءة النبي - ﷺ - سورة النجم عند الكعبة، وفرحهم عند ذر الآلهة.

صفحة رقم 8

حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الهرري الشافعي

راجعه

هاشم محمد علي مهدي

الناشر دار طوق النجاة، بيروت - لبنان
سنة النشر 1421
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية
السِّبَاقَ السِّبَاقَ قَوْلًا وَفِعْلًا حَذِّرِ النَّفْسَ حَسْرَةَ الْمَسْبُوقِ