قوله : وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ اشمأزت نفرت، قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل : أي انْقَبَضَتْ عن التَّوحيد وقال قتادة استكبرتْ، وأصل الاشمئزاز النُّفور والاسْتِكبَار١ قُلُوبُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة وهذا نوع آخر من أعمال المشركين القبيحة وَإِذَا ذُكِرَ الذين مِن دُونِهِ يعني الأصنام إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ يعني يفرحون. قال مجاهد ومقاتل : وذلك حين قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - سورة والنجم فألقى الشيطانُ في أُمْنِيَّةِ «تلك الغَرَانيق٢ العُلاَ » ففرح به الكفار.
قوله : وَإِذَا ذُكِرَ الذين قال الزمخشري : فإن قلت : ما العامل في :«إذَا ذُكِرَ » ؟
قلت : العامل فيه «إذا » الفجائية٣ تقديره وقت ذِكْرِ الَّذِينَ من دونه فَاجَأوا وَقْتَ الاستبشار٤.
قال أبو حيان : أما قول الزمخشري فلا أعلمه من قول من ينتمي إلى النحو وهو أن الظرفين مَعْمولاَن٥ «لِفَاجَأُوا » ثُمَّ «إذا » الأول تنصب على الظرفية والثانية على المفعولية٦. وقال الحَوْفي :«إذَا هُمْ يَسْتبشرُونَ » «إذَا » مضافة إلى الابتداء والخبر، و «إذا » مكررة للتوكيد، وحذف ما يضاف إليه، والتقدير : إذا كان ذلك هم يَسْتَبْشِرونَ، فيكون ( هم يستبشرون ) هو العامل في «إذا » المعنى : إذا كان كذلك استبشروا٧.
قال أبو حيان : هذا يبعد٨ جداً عن الصواب إذا٩ جعل «إذَا » مضافة إلى الابتداء والخبر، ثم قال و «إذا » مكررة للتوكيد وحذف ما يضاف١٠ إليه إلى آخره كلامه. ( فإذا كانت١١ إذا حذف ما يضاف إليه ) فكيف تكون مضافة إلى الابتداء والخبر الذي هو «هم يستبشرون » ! وهذا كله يوجبه عدم الإتقان لعلم النحو والتحذق١٢ فيه، انتهى١٣.
قال شهاب الدين : وفي هذه العبارة تحامل على أهل العلم المرجوع إليهم فيه١٤. واختار أبو حيان أن يكون العامل في «إذا » الشرطية الفعل بعدها لا جوابها وأنها ليست مضافة لما بعدها سواء كانت زماناً أم مكاناً أما إذا قيل : إنها حرف فلا يحتاج إلى عامل. وهي رابطة لجملة الجزاء بالشرط كالفاء١٥.
والاشْمِئزَازُ النفور والتَقَبض١٦، وقال أبو زيد : هو الذعر١٧، اشمأزَّ فُلاَنٌ أي ذعر ووزنه افْعَلَلَّ كاقْشَعَرَّ، قال الشاعر :
- إذَا عَضَّ الثِّقَافُ بِهَا اشْمَأَزَّتْ. . . ووَلَّتهُ عَشَوْزَنَه زَبُونَا١٨
قال الزمخشري : ولقد تقابل الاستبشار والاشمئزاز إذ كل واحد منهما في بابه لأن الاستبشار أن يمتلئ قلبه سروراً حتى يظهر ذلك السرور في أَسِرَّة١٩ وجهه ويتهلَّل، والاشمئزاز أن يعظم «غَمُّه )٢٠ وغيظه فينقبض الروح إلى داخل القلب فيبقى في أديم الوجه أثر الغبرة والظلمة الأرضية٢١.
٢ هي الأصنام وهي في الأصل الذكور من الطير الماء وواحدها غرنوق وغرنيق سمي به لبياضه وقيل: هي الكركي ويجوز أن تكون جمع الغرانق وهو الحسن، وانظر تفاصيل أخرى لها في اللسان "غ ر ن ق" ٣٢٤٩..
٣ في الكشاف : العامل في إذا المفاجأة..
٤ نقله الكشاف ٣/٤٠١..
٥ في البحر: معمولان لعامل واحد ثم إذا الأولى.............
٦ وفيه: على المفعول به. وانظر بحر أبي حيان ٧/٤٣١..
٧ المرجع السابق وانظر كذلك الدر المصون لشهاب الدين السمين ٤/٦٥٥..
٨ في البحر: فبعيد جدا..
٩ نقله المؤلف عن السمين ففي السمين "إذا" المستقبلية وفي البحر "إذ" التعليلية الماضوية..
١٠ في البحر: تضاف بالتاء..
١١ ما بين القوسين زيادة توضيحية من السمين في "الدر" عن البحر المحيط. انظر الدر ٤/٦٥٥..
١٢ في البحر: والتحدث من الحديث لا من الحذق وما أثبته المؤلف هو ما أثبته صاحب الدر المصون السابق..
١٣ البحر ٧/٤٣١، ٤٣٢..
١٤ الدر المصون ٤/٦٥٥ وذلك أنه كعادته قد تعقب الزمخشري ومن بعده الحوفي ونسب إليهم عدم التحري والدقة في النحو..
١٥ انظر البحر المحيط ٧/٤٣٢..
١٦ انظر: المراجع السابقة..
١٧ قاله في اللسان: "شمز" ٢٣٢٤..
١٨ البيت جاهلي اللفظ فهو لعمرو بن كلثوم من معلقته وهو من الوافر والثقاف: ما تقوم به الرماح واشمأزت أي نفرت وهو محل الشاهد هنا حيث إن الاشمئزاز بمعنى النفور والتقبض، وعشوزنة صلبة وزبون تدفع وتضرب برجلها والزبون وصف للعشوزنة يقول: إن رماح قومه قوية تدفع الأعداء فلا ينالون منهم. وانظر: السبع الطوال لابن الأنباري ٤٠٤ والقرطبي ١٥/٢٦٤ بلفظ "وولتهم". وانظر شرح معلقة عمرو هذه لابن كيسان ٨٥ واللسان "ثقف" ٤٩٢ والبحر ٧/٤٢٦ والدر ٤/٦٥٥..
١٩ في الكشاف : بشرة وجهه..
٢٠ تكملة من الكشاف فهي بياض من النسخ..
٢١ بالمعنى من الكشاف ٣/٤٠١ وباللفظ من الفخر الرازي الذي نقل عنه رأيه هذا معنى ٢٦/٢٨٦..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود