مستغن عن جميع مخلوقاته وموجوداته، وتلك الأدلة والبراهين محسوسة مشاهدة، منها خلق السماوات والأرضين وما فيهما من العوالم، وخلق الإنسان من نفس واحدة، وخلق الأنواع الثمانية من الأنعام، وهذه آي كريمة تعبر بجلاء واضح عن هذه الموجودات:
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٥ الى ٧]
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)
«١» «٢» [الزمر: ٣٩/ ٥- ٧].
هذه أدلة ثلاثة على وحدانية الله وقدرته، في كل دليل منها ثلاثة أدلة:
الدليل الأول- من عالم السماء والأرض: أبدع الله تعالى عالم السماء والأرض إبداعا بالواجب الواقع موقعه، الجامع للمصالح، فليس في هذا الخلق باطل وعبث، من غير استعانة بأحد، فهو وحده الإله الموجود الذي لا شريك له ولا نظير، التامّ القدرة، الكامل الاستغناء عن غيره.
يلف الليل على النهار، ويلف النهار على الليل أو يولج أحدهما في الآخر، ويعيد من هذا على هذا، بنسب متفاوتة تتفق مع أحوال الزيادة والنقصان، دون الاستمرار
(٢) أي نزل الأمر بخلقها وإيجادها من عند الله، والعادة تقضي بأن نعم الله ورحمته وأمطاره هي من السماء، فعبر عن خلقها بالإنزال.
على مقدار واحد، وهو دليل على كروية الأرض، لأن التكوير: اللف على الجسم المستدير، وعلى دوران الأرض حول نفسها مرة ثانية، لأن تعاقب الليل والنهار لا يتم من غير دوران. ويجعل الله الشمس والقمر مذللين لأمره بالطلوع والغروب، يسير كل منهما في فلكه إلى منتهى معيّن، وإلى وقت محدد في علم الله تعالى وهو انتهاء الدنيا وقيام القيامة، أو انتهاء دورة القمر كل شهر، ودورة الشمس كل سنة. ألا إن هذا التدبير والخلق من إله غالب قادر، ساتر لذنوب عباده بالمغفرة.
والدليل الثاني- من خلق الإنسان والأنعام، فإنه سبحانه خلقكم أيها الناس على اختلاف أجناسكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة، هي آدم عليه السّلام، ثم جعل حواء من جنسه أو من طينته، أو خلقها من ضلعه- ضلع آدم القصير، ثم تكاثر الخلق منهما.
وأمر الله تعالى بخلق أو إيجاد ثمانية أصناف من الأنعام: وهي الإبل والبقر والغنم والمعز، جاعلا من كل صنف ذكرا وأنثى، ويبتدئ الله خلق الناس في بطون الأمهات في مراحل متدرجة من الخلق والإبداع، حيث يكون بدء تكون الجنين من نطفة ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم تتكون العظام، ثم تكسى باللحم والعروق والأعصاب. ومراحل الخلق هذه في ظلمات ثلاث: هي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة والأغشية. هذا الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما، وخلق الإنسان: هو الرب المربي لكم، الذي له الملك المطلق في الدنيا والآخرة، وهو الإله الواحد الذي لا إله غيره، فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره؟! وثمرة هذه العبادة تعود للناس، فإن تكفروا بالله أيها المشركون، بعد توافر هذه الأدلة على وجود الله وتوحيده وقدرته، فإن الله هو الغني عما سواه من المخلوقات، ويغضب الله من كفر بعض عباده، ويرضى ويحب شكرهم على نعمه وآلائه، ويثيبهم
به خيرا، أي يقبله منهم. والشكر الحقيقي يتضمن الإيمان. وبعبارة أخرى: لا يقع الكفر إلا بإرادة الله تعالى، إلا أنه بعد وقوعه لا يرضاه الله دينا لعباده. واستغناء الله عن خلقه هو الدليل الثالث على قدرته.
قال ابن عباس عن هذه الآية: إِنْ تَكْفُرُوا.. هذه الآية مخاطبة للكفار الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم. وكلمة وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ هم المؤمنون. ويحتمل أن تكون الآية مخاطبة لجميع الناس، لأن الله غني عن جميع الناس.
والمبدأ في المسؤولية أمام الله: إنما هو المسؤولية الشخصية أو الفردية، فلا تحمل نفس إثم أو ذنب نفس أخرى، والوزر: الثقل، وإنما كل إنسان مطالب بأمر نفسه، من خير أو شر. والجزاء على قدر العمل، فإن مصيركم جميعا أيها الخلائق إلى ربكم يوم القيامة، فيخبركم بأعمالكم من خير أو شر، إنه سبحانه وتعالى خبير بما تخفيه النفوس من أسرار، فلا تخفى على الله خافية.
وهذا خبر يتضمن الحض على أن ينظر كل أحد في خاصة أمره وما ينوبه في ذاته، كما يتضمن أيضا أن مرجعهم في الآخرة إلى ربهم، أي إلى ثوابه أو عقابه، فيطلع كل أحد على أعماله، لأنه تعالى المطلع على نيات الصدور وسرائر الأفئدة.
الإنسان في وقت المحنة
الإنسان في منهاج حياته لا يسير على منوال واحد، ما دام مستكبرا معاندا مكابرا الحقائق، فتراه يصر على الكفر بالله بفلسفات بالية وعقائد موروثة ساذجة، حتى إذا ألم به ضرر، أو تعرض لأزمة أو محنة، بادر إلى الاستعانة بالله تعالى، والتضرع إليه، إذ لا يجد في أصائل نفسه طريقا للفرج إلا الله القوي القادر الذي يكشف الضر، ويدفع الشر، وهذا دليل على تناقض الكافر، يضرع إلى الله تعالى وقت الشدة،
التفسير الوسيط
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي