تمهيد :
تستمر الآيات في بيان رذائل المشركين، فهم عند الشدة والمحنة يخلصون الدعاء لله، ليقينهم أن الأصنام لا تملك لهم ضرّا ولا نفعا، وإذا أعطاهم الله النعمة ادعوا أنهم يستحقون هذه النعمة بما لهم من علم ومعرفة بكسب المال والجاه والسلطان، والحقيقة أن هذه النعم امتحان واختبار من الله، والدليل على ذلك أن من سبقهم من الظالمين قال مثل هذه المقالة، مثل قارون وأشباهه : فخسف الله بقارون والأرض، وأنزل العذاب بكثير من الظالمين، وسيلحق هذا العذاب مشركي مكة، ولن يفلتوا أبدا من عذاب الله تعالى، ويجب أن يعرفوا أن الله يوسّع الرزق على من يشاء من عباده، ويضيّق على من يشاء، وفي هذا دلائل وعلامات المؤمنين على سعة قدرته سبحانه وعظيم سلطانه.
٥٠- قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون .
أي : هذا طبع في الإنسان، السابق فيه مثل اللاحق، فالذين سبقوا ادعوا أنهم أهل للفضل والمال والغنى، فهذا قارون قد قال : إنما أوتيته على علم عندي... ( القصص : ٧٨ ).
وهذا فرعون قد تألّه وتجبر وقال : أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي... ( الزخرف : ٥١ ).
وقال أيضا متطاولا على مقام النبوة : أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين . ( الزخرف : ٥٢ ).
كما قال النمرود : أنا أحيى وأميت... ( البقرة : ٢٥٨ ).
وصدق الله العظيم : كلا إن الإنسان ليطغى * أن رؤاه استغنى . ( العلق : ٦، ٧ ).
فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون .
أي : إن الكفار السابقين، حيث عتوا عن أمر ربهم، وتطاولوا على مقام النبوة، وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين . ( سبأ : ٣٥ ). لم ينفعهم هذا القول شيئا حين نزل العذاب بساحتهم، فقد غرق قوم نوح بالطوفان، وأهلكت ثمود بالصيحة المهلكة، وأهلكت عاد بريح صرصر عاتية، وأغرق فرعون وهامان، ولم ينفعهم الملك ولا المال ولا الجاه ولا السلطان.
تفسير القرآن الكريم
شحاته